أبي بكر الكاشاني

162

بدائع الصنائع

من الصحابة رضي الله عنهم منهم على وابن مسعود وابن عمر وجابر رضي الله عنهم انهم قالوا إذا قلد فقد أحرم وكذا روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إذا قلد وهو يريد الحج أو العمرة فقد أحرم ولان التقليد مع التوجه من خصائص الاحرام فالنية اقترنت بما هو من خصائص الاحرام فأشبه التلبية فان قيل أليس أنه روى عن عائشة رضي الله عنها انها قالت لا يحرم الا من أهل ولبى فهذا يقتضى أنه لا يصير محرما بالتقليد فالجواب ان ذلك محمول على ما إذا قلد ولم يخرج معها توفيقا بين الدلائل وبه نقول إن بمجرد التقليد لا يصير محرما على ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث بهديه ويقيم فلا يحرم عليه شئ والتقليد هو تعليق القلادة على عنق البدنة من عروة مزادة أو شراك نعل من أدم أو غير ذلك من الجلود وان قلد ولم يتوجه ولم يبعث على يد غيره لم يصر محرما وان بعث على يد غيره فكذلك عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه يصير محرما بنفس التوجيه من غير توجه والصحيح قول عامة العلماء لما روى عن عائشة رضي الله عنها انها قالت انى كنت لأفتل قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبعثها ويمكث عندنا حلالا بالمدينة لا يجتنب ما يجتنبه المحرم ولان التوجيه من غير توجه ليس الا امر بالفعل فلا يصير به محرما كما لو أمر غيره بالتلبية ولو توجه بنفسه بعدما قلد وبعث لا يصير محرما ما لم يلحقها ويتوجه معها فإذا لحقها وتوجه معها عند ذلك يصير محرما الا في هدى المتعة فان هناك يصير محرما بنفس التوجه قبل أن يلحقه والقياس أن لا يصير محرما ثم أيضا ما لم يلحق ويتوجه معه لان السير بنفسه بدون البدنة ليس من خصائص الاحرام ولا دليل أنه يريد الاحرام فلا يصير به محرما الا انا تركنا القياس واستحسنا في هدى المتعة لما ان لهدى فضل تأثير في البقاء على الاحرام ما ليس لغيره بدليل انه لو ساق الهدى لا يجوز له أن يتحلل وان لم يسق جاز له التحلل فإذا كان له فضل تأثير في البقاء على الاحرام جاز أن يكون له تأثير في الابتداء وقد قالوا إنه يصير محرما بنفس التوجه في اثر هدى المتعة وان لم يلحق الهدى إذا كان في أشهر الحج فاما في غير أشهر الحج فلا يصير محرما حتى يلحق الهدى لان أحكام التمتع لا تثبب قبل أشهر الحج فلا يصير هذا الهدى للمتعة قبل أشهر الحج فكان هدى التطوع ولو جلل البدنة ونوى الحج لا يصير محرما وان توجه معها لان التجليل ليس من خصائص الحج لأنه إنما يفعل ذلك لدفع الحر والبرد عن البدنة أو للتزيين ولو قلد الشاة ينوى به الحج وتوجه معها لا يصير محرما وان نوى الاحرام لان تقليد الغنم ليس بسنة عندنا فلم يكن من دلائل الاحرام فضلا عن أن يكون من خصائصه والدليل على أن الغنم لا تقلد قوله تعالى ولا الهدى ولا القلائد عطف القلائد على الهدى والعطف يقتضى المغايرة في الأصل واسم الهدى يقع على الغنم والإبل والبقر جميعا فهذا يدل على أن الهدى نوعان ما يقلد وما لا يقلد ثم الإبل والبقر يقلدان بالاجماع فتعين ان الغنم لا تقلد ليكون عطف القلائد على الهدى عطف الشئ على غيره فيصح ولو أشعر بدنته وتوجه معها لا يصير محرما لان الاشعار مكروه عند أبي حنيفة لأنه مثلة وايلام الحيوان من غير ضرورة لحصول المقصود بالتقليد وهو الاعلام بكون المشعر هديا لئلا يتعرض له لو ضل والاتيان بفعل مكروه لا يصلح دليل الاحرام واختلف المشايخ على قول أبى يوسف ومحمد قال بعضهم ان أشعر وتوجه معها يصير محرما عندهما لان الاشعار سنة عندهما كالتقليد فيصلح أن يكون دليل الاحرام كالتقليد وقال بعضهم لا يصير محرما عندهما أيضا لان الاشعار ليس بسنة عندهما بل هو مباح فلم يكن قربة فلا يصلح دليل الاحرام وذكر في الجامع الصغير أن الاشعار عندهما حسن ولم يسمه سنة لأنه من حيث إنه اكمال لما شرع له التقليد وهو اعلام المقلد بأنه هدى لما ان تمام الاعلام تحصل به سنة ومن حيث إنه مثلة بدعة فتردد بين السنة البدعة فسماه حسنا وعند الشافعي الاشعار سنة واحتج بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر والجواب أن ذلك كان في الابتداء حين كانت المثلة مشروعة ثم لما نهى عن المثلة انتسخ بنسخ المثلة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قطعا لأيدي المشركين عن التعرض للهدايا لو ضلت لأنهم كانوا ما يتعرضون للهدايا والتقليد ما كان يدل دلالة تامة انها هدى فكان يحتاج إلى الاشعار ليعلموا انها هدى وقد زال هذا المعنى في زماننا فانتسخ بانتساخ المثلة ثم الاشعار