أبي بكر الكاشاني

129

بدائع الصنائع

فلا حاجة إلى تعيين النية كما لو صام رمضان بمطلق النية انه يقع عن رمضان لكون الوقت متعينا لصومه كذا هذا وكذا لو نوى تطوعا يقع عن طواف الزيارة كما لو صام رمضان بنية التطوع وكذلك كل طواف واجب أو سنة يقع في وقته من طواف اللقاء وطواف الصدر فإنما يقع عما يستحقه الوقت وهو الذي انعقد عليه الاحرام دون غيره سواء عين ذلك بالنية أو لم يعين فيقع عن الأول وان نوى الثاني لا يعمل بنيته في تقديمه على الأول حتى أن المحرم إذا قدم مكة وطاف لا يعين شيئا أو نوى التطوع فإن كان محرما بعمرة يقع طوافه للعمرة وإن كان محرما بحجة يقع طوافه للقدوم لان عقد الاحرام انعقد عليه وكذلك القارن إذا طاف لا يعين شيئا أو نوى التطوع كان ذلك للعمرة فان طاف طوافا آخر قبل أن يسعى لا يعين شيئا أو نوى تطوعا كان ذلك للحج والله أعلم فاما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط لجواز الطواف وليست بفرض عندنا بل واجبة حتى يجوز الطواف بدونها وعند الشافعي فرض لا يصح الطواف بدونها واحتج بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطواف صلاة الا أن الله تعالى أباح فيه الكلام وإذا كان صلاة فالصلاة لا جواز لها بدون الطهارة ولنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق أمر بالطواف مطلقا عن شرط الطهارة ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد فيحمل على التشبيه كما في قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم أي كأمهاتهم ومعناه الطواف كالصلاة اما في الثواب أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة لان كلام التشبيه لا عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه عملا بالكتاب والسنة أو نقول الطواف يشبه الصلاة وليس بصلاة حقيقة فمن حيث إنه ليس بصلاة حقيقة لا تفترض له الطهارة ومن حيث إنه يشبه الصلاة تجب له الطهارة عملا بالدليلين بالقدر الممكن وإن كانت الطهارة من واجبات الطواف فإذا طاف من غير طهارة فما دام بمكة تجب عليه الإعادة لان الإعادة جبر له بجنسه وجبر الشئ بجنسه أولى لان معنى الجبر وهو التلافي فيه أتم ثم إن أعاد في أيام النحر فلا شئ عليه وان أخره عنها فعليه دم في قول أبي حنيفة والمسألة تأتى إن شاء الله تعالى في موضعها وان لم يعد ورجع إلى أهله فعليه الدم غير أنه إن كان محدثا فعليه شاة وإن كان جنبا فعليه بدنة لان الحدث يوجب نقصانا يسيرا فتكفيه الشاة لجبره كما لو ترك شوطا فاما الجنابة فإنها توجب نقصانا متفاحشا لأنها أكبر الحدثين فيجب لها أعظم الجابرين وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال البدنة تجب في الحج في موضعين أحدهما إذا طاف جنبا والثاني إذا جامع بعد الوقوف وإذا لم تكن الطهارة من شرائط الجواز فإذا طاف وهو محدث أو جنب وقع موقعه حتى لو جامع بعده لا يلزمه شئ لان الوطئ لم يصادف الاحرام لحصول التحلل بالطواف هذا إذا طاف بعد أن حلق أو قصر ثم جامع فاما إذا طاف ولم يكن حلق ولا قصر ثم جامع فعليه دم لأنه إذا لم يحلق ولم يقصر فالاحرام باق والوطئ إذا صادف الاحرام يوجب الكفارة الا انه يلزمه الشاة لا البدنة لان الركن صار مؤدى فارتفعت الحرمة المطلقة فلم يبق الوطئ جنابة محضة بل خف معنى الجنابة فيه فيكفيه أخف الجابرين فاما الطهارة عن النجس فليست من شرائط الجواز بالاجماع فلا يفترض تحصيلها ولا تجب أيضا لكنه سنة حتى لو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم جاز ولا يلزمه شئ الا انه يكره واما ستر العورة فهو مثل الطهارة عن الحدث والجنابة أي انه ليس بشرط الجواز وليس بفرض لكنه واجب عندنا حتى لو طاف عريانا فعليه الإعادة ما دام بمكة فان رجع إلى أهله فعليه الدم وعند الشافعي شرط الجواز كالطهارة عن الحدث والجنابة وحجته ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطواف صلاة الا ان الله أباح فيه الكلام وستر العورة من شرائط جواز الصلاة وحجتنا قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق أمر بالطواف مطلقا عن شرط الستر فيجرى على اطلاقه والجواب عن تعلقه بالحديث على نحو ما ذكرنا في الطهارة والفرق بين ستر العورة وبين الطهارة عن النجاسة ان المنع من الطواف مع الثوب النجس ليس لأجل الطواف بل لأجل المسجد وهو صيانته عن ادخال النجاسة فيه وصيانته عن تلويثه فلا يوجب ذلك نقصانا في الطواف فلا حاجة إلى الجبر فاما المنع من الطواف عريانا فلأجل الطواف لنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطواف عريانا بقوله صلى الله عليه وسلم الا لا يطوفن بعد