الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
278
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« ذلِكَ » : إشارة إلى العذاب ، « بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ » : من قتل الأنبياء ، وقولهم هذا ، وسائر معاصيهم . عبّر بالأيدي عن الأنفس ، لأنّ أكثر أعمالها بهنّ . « وأَنَّ اللَّهً لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) » : عطف على « ما قدّمت » وسببيّته للعذاب ، من حيث أنّ نفي الظَّلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ، ومعاقبة المسئ . وفي نهج البلاغة ( 1 ) : قال - عليه السّلام - : وأيم اللَّه ما كان قوم قطَّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم ، إلَّا بذنوب اجترحوها ، لأنّ اللَّه ليس بظلَّام للعبيد . وفيه إشكال مشهور ، وهو أنّ نفي الظَّلام عن اللَّه تعالى لا يستلزم نفي كونه ظالما ، بل يشعر بكونه كذلك ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا . والجواب ، أنّ جواز اتّصافه تعالى بكلّ صفة يستلزم اتّصافه بها على الكمال ، خصوصا صفة الظَّلم ، فإنّه لو اتّصف بها اتّصف بما هو في الرّتبة الأعلى منها ، لكمال قدرته وعدم المانع ، فللإشعار بهذا المعنى أورد « الظَّلام » مكان « الظالم » والمراد نفى الظَّلم مطلقا ، فتأمّل . « الَّذِينَ قالُوا » : هم كعب بن الأشرف ، ومالك ، وحييّ ، وفنحاص ، ووهب بن يهوذا . « إِنَّ اللَّهً عَهِدَ إِلَيْنا » : أمرنا في التّوراة ، وأوصانا . « أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ » : بأن لا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بهذه المعجزة الخاصّة ، الَّتي كانت لأنبياء بني إسرائيل ، وهو أن يقرّب بقربان فيقوم النّبيّ - صلَّى اللَّه عليه وآله - فيدعو فتنزل نار سماويّة ، أي : تجلبه إلى طبعها بالإحراق . وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم ، لأنّ أكل النّار القربان لا يوجب الإيمان إلَّا لكونه معجزة ، فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك . « قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) » : تكذيب وإلزام ، بأنّ رسلا قد جاؤوهم قبله ، كزكريّاء ويحيى ، بمعجزات أخر موجبة للتّصديق وبما اقترحوه فقتلوهم ، ولو كان الموجب للتّصديق هو الإتيان ، وكان توقّفهم وامتناعهم عن الإيمان لأجله ، فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر ، واجترؤا عليه ؟
--> 1 - نهج البلاغة / 257 ، ضمن خطبة 178 .