الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

209

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

وانما اختير - أولا - « أضاءت » على « أنارت » ، تنبيها على مزيد الحيرة والخيبة ، واشعارا بالبطلان ، لما تقرر في الأذهان ، من قوة أمر الباطل ، في بدء الحال واضمحلاله سريعا ، في المآل . وانما قال : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » . ولم يقل : « أذهب اللَّه نورهم » - كما قرأ بعضهم - لأن معنى « أذهبه » ، أزاله ، وجعله ذاهبا . ويقال : ذهب به ، إذا استصحبه . ومعنى « به » ، معه . فان « الباء » وان كانت للتعدية ، كالهمزة . الا أن فيها معنى المصاحبة واللصوق . وذهب السلطان بماله ، أخذه . فالمعنى أخذ اللَّه نورهم وأمسكه . وما يمسك ( 1 ) ، فلا مرسل له . وهو أبلغ من الاذهاب . لما فيه من معنى الأخذ والإمساك . أما الأخذ ، فظاهر . وأما الإمساك ، فلما يقتضيه المصاحبة واللصوق . قال بعض الفضلاء : وعند العارفين ، النكتة فيه ، غير ما ذكر ، فان مجيء اللَّه سبحانه بالنور ، ليس الا بتجلَّيه ( 2 ) باسم النور ، على المتجلى له . فهو عند تجليه بالنور ، متلبس به ، غير منفصل ( 3 ) عنه . وكذلك ذهابه بالنور . ليس الا متعلقا دون هذا التجلي . فهو يذهب مكتسبا بالنور ، لا منفصلا عنه . فهو المتلبس بالنور ، في الحالين . بل هو النور في العلم . ( والعين لا ) ( 4 ) نور سواه . ثم أكد ذلك . وقرره بقوله : « وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) » : ففيه زيادة على ما يدل عليه ، اذهاب نورهم ، من وقوعهم في الظلمة ، كمّا وكيفا . اما كمّا ، فلما ( في الظلمات

--> 1 - أ : يماسك . 2 - أ : يتجليه . 3 - ر : منفعل . 4 - ما بين القوسين ليس في أ .