كمال الدين دميري
556
حياة الحيوان الكبرى
بيتا فاستلقيت فيه على ظهري ، وجعلت رجلي على جداره ، فلما كان غروب الشمس ، سمعت صوتا لم أسمع مثله ، فرعبت فقال لي رب البيت : لا تذعرن فإن هذا لا يضرك ، هذا صوت قوم ينصرفون هذه الساعة من عند هذا السد ، أفيسرك أن تراه ؟ قلت : نعم . قال : فغدوت إليه ، فإذا لبنه من حديد ، كل واحدة مثل الصخرة ، وإذا كأنه البرد المحبرة ، وإذا المسامير مثل الجذوع فأتيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأخبرته ، فقال : « صفه لي » . فقلت : كأنه البرد المحبرة . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « من سره أن ينظر إلى رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا » . فقال أبو بكرة : صدق انتهى . وهذا الردم هو الذي بناه الإسكندر على يأجوج ومأجوج كما تقدم ، وذلك أنه لما بلغ الجبلين وجد من دونهما قوما ، كما قال « 1 » اللَّه تعالى : * ( لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) * بفتح الياء والقاف أو يفقهون بفتح الياء وكسر القاف على اختلاف القراءتين ، فعلى الأولى لا يفقهون عن أحد لغته ولا يعرفون غير لغتهم ، وعلى الثانية لا يفهم لغتهم غيرهم ، فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض ، وذلك أنهم كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء المساكين ، فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه . وقيل : إنهم كانوا يلوطون ، وقيل : إنهم كانوا يأكلون الناس ، فقالوا له : نحن نجعل لك خرجا ، أي جعلا من أموالنا ، على أن تجعل بيننا وبينهم سدا فرد عليهم جعلهم ، وطلب منهم المعونة بالعمل بأبدانهم ، ثم انصرف إلى ما بين الصدفين ، فقاس ما بينهما فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ ، فأمر بحفر الأساس حتى بلغ الماء ، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا ، وجعل حشوه الصخر ، وطبقه بالنحاس المذاب ، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض . وقيل إنه حشا ما بين الصدفين قطع الحديد ، ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم ووضع المنافيخ ، فلما حمي الحديد أفرغ عليه النحاس المذاب ، فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر ، وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب ، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر ، فصار كأنه بردة محبرة من صفرة النحاس وحمرته ، وسواد الحديد ، فلم يطيقوا الظهور عليه لملاسته ولا قدروا على نقبه لشدته وتماسكه . ومن وراء السد البحر ، فهم بين السد والبحر محصورون وهم يمطرون التنانين في أيام الربيع ، كما يمطرنا الغيث لحينه فيأكلونها إلى مثله من القابل وتعمهم على كثرتهم واللَّه تعالى أعلم . اليامور : قال ابن سيده : هو جنس من الأوعال أو شبيه به له قرن واحد متشعب في وسط رأسه . وقال غيره : إنه الذكر من الأيل له قرنان كالمنشارين ، أكثر أحواله تشبه أحوال البقر الوحشي يأوي إلى المواضع التي التفت أشجارها ، وإذا شرب الماء ظهر به نشاط فيعدو ويلعب بين الأشجار ، وربما ينشب قرناه في شعب الأشجار فلا يقدر على خلاصهما فيصيح ، والناس ، إذا سمعوا صياحه ذهبوا إليه وصادوه ، وقد تقدم ما فيه . وهو حلال كالأيل ، ومن خواص جلده أنه إذا جلس عليه صاحب البواسير زالت عنه .
--> « 1 » سورة الكهف : آية 93 .