كمال الدين دميري
543
حياة الحيوان الكبرى
وقولهم : ما نهي عن قتله فحرام ، يعنون به ما نهي عن قتله إكراما له . قال « 1 » : الخطابي : نهى النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن قتل الهدهد كرامة له ، لأنه أطاع نبيا لا أنه حرام ونقله عنه العبادي وقضيته ترجيح وجه القائل بحل الصرد لأن النهي عن قتله لأمر خارج عنه لا لمعنى فيه ، ولما كانت هذه القواعد غير تامة لجميع الحيوان ، ذكر الأصحاب قاعدة عامة وهي الاستطابة والاستخباث ، وعليها مدار الباب . قال الرافعي : من الأصول المرجوع إليها في التحريم والتحليل الاستطابة والاستخباث . ورآه الشافعي والأصل العظيم المعتمد فيه قوله « 2 » تعالى : * ( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) * وليس المراد بالطيب هنا الحلال . وإن كان قد يرد الطيب بمعنى الحلال ، لأن الحمل عليه يخرج الآية عن الإفادة . قال الأئمة : ويبعد الرجوع إلى طبقات الناس ، وتنزيل كل قوم على ما يستطيبونه ويستخبثونه ، لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحلال والحرام ، وذلك يخالف موضوع الشرع في حمل الناس على شرع واحد ، ورأوا العرب أولى الأمم بأن يؤخذ باستطابتهم واستخبائهم ، لأنهم المخاطبون أولا والدين عربي والنبي صلى اللَّه عليه وسلم عربي ، وإنما يرجع إلى سكان البلاد والقرى دون أجلاف سكان البوادي الذين يأكلون مادب ودرج من غير تمييز ، مع اعتبار حالة اليسار والثروة دون المحتاجين وأصحاب الضرورات ، وحالتي الخصب والرفاهية دون حالتي الجدب والشدة . وقال بعضهم : المعتبر الرجوع إلى عادة العرب الذين كانوا في عهد سيدنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لأن الخطاب كان لهم . ويشبه أن يقال : يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه . ويدل لهذا التوجيه ما تقدم ، في باب العين المهملة ، في لفظ العضاري ، عن أبي عاصم العبادي ، أنه حكى عن الأستاذ أبي طاهر الزيادي أنه قال : كنا نرى العضاري حراما ونفتي بتحريمه ، حتى ورد علينا الأستاذ أبو الحسن الماسرجيني فقال : إنه حلال ، فبعثنا منه جوابا إلى البادية وسألنا العرب عنه فقالوا : هذا هو الجراد المبارك ، فرجعوا إلى قول العرب فيه . وإذا اختلف المرجوع إليهم فاستطابته طائفة واستخبثته طائفة اتبعنا الأكثرين ، فإن استوت الطائفتان ، قال المارودي في الحاوي ، وأبو الحسن العبادي : إنه يتبع قريش ، لأنهم قطب العرب وفيهم النبوة ، فإن اختلفت قريش أو لم يحكموا بشيء ، اعتبر أقرب الحيوانات شبها به . والشبه يكون تارة في الصورة وتارة في الطبع من السلامة والعدوان ، وأخرى في طعم اللحم ، فإن تساوى الشبه أو لم يوجد ما يشبه ففيه وجهان انتهى . زاد في الحاوي هما من اختلاف أصحابنا في أصول الأشياء ، قبل ورود الشرع هل هي على الإباحة أو الحظر ؟ أحد الوجهين أنها على الإباحة حتى يرد الشرع بالحظر انتهى . قال أبو العباس : إذا وجد حيوان لا يعرف حاله عرض على العرب ، فإن سموه باسم ما يحل حل ، وإن سموه باسم ما يحرم حرم ، وإن لم يكن له اسم عندهم اعتبر بأقرب الأشياء شبها من الذي يحل أو يحرم . وعلى هذا نص الشافعي ، رحمه اللَّه تعالى . وقال الرافعي : وفي استصحاب حكم ما ثبت تحريمه في شرع من قبلنا قولان أحدهما : نعم
--> « 1 » رواه أبو داود : أدب 164 . وابن ماجة صيد 10 . « 2 » سورة المائدة : آية 4 .