كمال الدين دميري

467

حياة الحيوان الكبرى

وفي مسند الدارمي ، عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه ، أنه قال : كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها ، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة ، ما فعلت ذلك بها . خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم . فإن للمرء ما اكتسب ، وهو يوم القيامة مع من أحب . وفيه « 1 » أيضا ، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما ، أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في التوراة ؟ فقال كعب : نجده محمد بن عبد اللَّه ، يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة ، ويكون ملكه بالشام ، ليس بفحاش ولا صخاب في الأسواق ، ولا يكافىء بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون ، يحمدون اللَّه في كل سراء وضراء يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم ، دويهم في مساجدهم كدوي النحل ، يسمع مناديهم في جو السماء . غريبة : ذكر ابن خلكان ، في ترجمة « 2 » عبد المؤمن بن علي ملك الغرب ، أن أباه كان يعمل الطين فخارا ، وأنه كان في صغره نائما في دار أبيه ، وأبوه يعمل في الطين ، فسمع أبوه دويا في السماء ، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار ، فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم ، فغطته وأقامت عليه مدة ، ثم ارتفعت عنه وما تألم منها . وكان بالقرب منهم رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك ، فقال : يوشك أن يجتمع على ولدك جميع أهل المغرب ، فكان كذلك . وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الأعلى والأدنى ، ومات عبد المؤمن في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة . وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر موته ، في باب الجيم ، في الجفرة . وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل ، وروي عن علي رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال : تحقيرا للدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه فيها رجيع نحلة . وظاهر هذا أنه من غير الفم ، كذا نقله عنه ابن عطية . والمعروف عنه أنه قال : إنما الدنيا ستة أشياء : مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم ، فأشرف المطعوم العسل ، وهو مذقة ذباب ، وأشرف المشروب الماء ، ويستوي فيه البر والفاجر ، وأشرف الملبوس الحرير ، وهو نسج دودة ، وأشرف المركوب الفرس ، وعليه تقتل الرجال ، وأشرف المشموم المسك ، وهو دم حيوان ، وأشرف المنكوح المرأة ، وهو مبال في مبال . والمحقق أن العسل يخرج من بطونها ، لكن لا يدري أمن فمها أو من غيره ، لكن لا يتم صلاحه إلا بحمي أنفاسها . فقد صنع ارسطاطالبس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوي وغيره . وروينا في تفسير الكواشي الأوسط ، أن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن من الأرض فيأتي النحل فيشربه ، ثم يأتي الخلية ، فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية ، لا كما يتوهمه بعض

--> « 1 » رواه الدارمي : مقدمة 2 . « 2 » وفيات الأعيان : 3 / 237 .