كمال الدين دميري
409
حياة الحيوان الكبرى
هو أقرب إليه وأرشد . وقيل : معناه لعل اللَّه يهديني فيرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم ، أنه سيكون إن هو شاء . وقيل : إن اللَّه أمره أن يذكره إذا نسي شيئا ، ويسأله أن يذكره فيذكره ويهديه ، لما هو خير له من تذكره ما نسيه . ويقال : إن هؤلاء القوم ، لما سألوه عن قصة أصحاب أهل الكهف ، على وجه العناد ، أمره اللَّه أن يخبرهم أن اللَّه سيؤتيه من الحجج والبيان على صحة نبوته ، وما دعاهم إليه من الحق زيادة على ما سألوه ، ثم إن اللَّه تعالى فعل ذلك به حيث آتاه من علم غيوب المسلمين ، وخبرهم ما كان أوضح الحجج ، وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف . وقال بعضهم : هذا شيء أمر صلى اللَّه عليه وسلم أن يقوله مع قوله : إن شاء اللَّه إذا ذكر الاستثناء بعد ما نسيه ، فإذا نسي الإنسان « إن شاء اللَّه » فتوبته من ذلك وكفارته أن يقول : عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا . وقوله « 1 » تعالى : * ( ولَبِثُوا ) * يعني أصحاب الكهف ، * ( فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً ) * « 2 » قال بعضهم : هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك ، وقالوا : لو كان خبرا من اللَّه عن قدر لبثهم في الكهف ، لم يكن لقوله « 3 » * ( قُلِ الله أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) * وجه مفهوم ، فقد أعلم اللَّه خلقه قدر لبثهم . وهذا القول قول قتادة ، يدل عليه قراءة عبد اللَّه بن مسعود : فقالوا لبثوا في كهفهم . وقال مطر الوراق في هذه الآية : هذا شيء قالته اليهود ، فرد اللَّه عليهم ، فقال : * ( قُلِ الله أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) * « 4 » . وقال آخرون : هذا إخبار من اللَّه تعالى عن قدر لبثهم في الكهف ، وقالوا : معنى قوله « 5 » تعالى : * ( قُلِ الله أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) * أن أهل الكتاب على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، قالوا : إن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين ، فرد اللَّه عليهم ذلك . قال صلى اللَّه عليه وسلم : « اللَّه أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير اللَّه وغير من أعلمه ذلك » . وقال الكلبي : قالت النصارى ، أهل نجران : أما الثلاثمائة فقد عرفناها ، وأما التسع فلا علم لنا بها . فنزلت « 6 » * ( قُلِ الله أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَه غَيْبُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي يعلم ما غاب فيهما من العباد . واختلفوا في قوله « 7 » عز وجل : * ( ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ) * فقرأ أهل الكوفة بغير تنوين ، بمعنى فلبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة . وقال الضحاك ومقاتل : نزلت « 8 » * ( ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ) * فقالوا : أياما أو أشهرا أو سنين . فلذلك قال : سنين . ولم يقل سنة انتهى . ما ساقه الإمام أبو إسحاق محمد بن أحمد الثعلبي ، من قصة أصحاب الكهف ، وقد ذكرها الحافظ أبو محمد بن جرير بن يزيد الطبري في تاريخه الكبير ، وفيها زيادة فوائد فلنأت بها . قال : ومما كان في أيام ملوك الطوائف ما ذكره اللَّه تعالى في كتابة العزيز من أمر الفتية ، الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم ، قال : وكان أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم ، كما وصفهم اللَّه في تنزيله ، فقال لنبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم : * ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِنْ ) *
--> « 1 » سورة الكهف : آية 25 . « 2 » سورة الكهف : آية 25 . « 3 » سورة الكهف : آية 26 . « 4 » سورة الكهف : آية 26 . « 5 » سورة الكهف : آية 26 . « 6 » سورة الكهف : آية 26 . « 7 » سورة الكهف : آية 25 . « 8 » سورة الكهف : آية 25 .