كمال الدين دميري
398
حياة الحيوان الكبرى
إلى باب الكهف قائما ، فلما نزعت الحجارة ، وفتح عليهم باب الكهف ، أذن اللَّه ذو القدرة والعظمة والسلطان ، محيي الموتى ، أن يجلسوا بين ظهراني الكهف ، فجلسوا فرحين مستبشرة وجوههم ، طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض ، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون فيها ، إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها ، ثم قاموا إلى الصلاة ، فصلوا كالذي كانوا يفعلون ، لا يرى في وجوههم ، ولا في أبشارهم ، ولا في ألوانهم شيء يكرهونه ، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا ، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبار في طلبهم . فلما قضوا صلاتهم ، قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم : ائتنا يا أخي بالذي قال الناس في شأننا ، عشية أمس عند الجبار ، وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون أمس ، وقد خيل إليهم أنهم ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها ، حتى تساءلوا بينهم ، فقال بعضهم لبعض * ( كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ) * « 1 » وكل ذلك في أنفسهم يسير ، فقال لهم تمليخا : افتقدتم والتمستم بالمدينة ، وهو يريد أن يأتي بكم اليوم ، فتذبحون للطواغيت ، أو يقتلكم ، فما شاء اللَّه بعد ذلك فعل . فقال لهم مكسلمينا : يا اخوتاه ، اعلموا أنكم ملاقو اللَّه ، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غدا . ثم قال لتمليخا : انطلق إلى المدينة ، فتسمع ما يقال لنا بها اليوم ، وما الذي نذكر به عند دقيانوس ، وتلطف ولا تشعرن بنا أحدا ، وابتغ لنا طعاما وائتنا به ، فإنه قد نالنا الجوع وزدنا على الطعام الذي تجيئنا به العادة ، فإنه كان قليلا وقد أصبحنا جياعا . ففعل تمليخا كما كان يفعل ، وخرج ووضع ثيابه ، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها ، وأخذ ورقا من نفقتهم ، التي كانت معهم ، التي ضربت بطابع دقيانوس ، وكانت كخفاف الربع ، فانطلق تمليخا خارجا ، فلما مر بباب الكهف ، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف ، فعجب منها ، ثم مر فلم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا ، يصد عن الطريق تخوفا من أن يراه أحد من أهلها ، فيعرفه فيذهب به إلى دقيانوس الجبار ، ولم يشعر بالعبد الصالح ، وأن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة . فلما رأى تمليخا باب المدينة ، رفع رأسه فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان ، فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا ، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا ممن يعرفه . ثم ترك ذلك الباب ، وتحول إلى باب آخر من أبوابها ، فرأى مثل ذلك ، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها ، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يعرفهم قبل ذلك ، فجعل يمشي ويتعجب منهم ومن نفسه ، ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه ، فجعل يتعجب منهم ومن نفسه ، ويقول : يا ليت شعري أما هذه عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة ، ويستخفون بها فأما اليوم فإنها ظاهرة ، لعلي حالم ! ثم يرى أنه ليس بنائم . فأخذ كساءه وجعله على رأسه ، ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهراني سوقها فيسمع ناسا كثيرين يحلفون باللَّه ، ثم بعيسى ابن مريم فزاده عجبا ! ورأى كأنه حيران ، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدران المدينة ، ويقول في نفسه : واللَّه ما أدري ما هذا ؟ أما عشية أمس فليس على
--> « 1 » سورة الكهف : آية 19 .