كمال الدين دميري
399
حياة الحيوان الكبرى
وجه الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل ، وأما الغداة فأسمع كل إنسان يذكر أمر عيسى ابن مريم ولا يخاف . ثم قال في نفسه : لعل هذه المدينة ليست التي أعرفها ، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم . واللَّه ما أعلم مدينة أقرب من مدينتنا ، ثم قام كالحيران لا يتوجه وجها ، ثم لقي فتى من أهل المدينة ، فقال : يا فتى ما اسم هذه المدينة ؟ فقال : افسوس . فقال في نفسه : لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي ، واللَّه يحق لي أن أسرع إلى الخروج منها ، قبل أن أخرج منها ويصيبني سوء فأهلك . هذا الذي حدث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم . ثم إنه أفاق فقال : واللَّه لو عجلت الخروج من المدينة ، قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي ، فدنا من الذين يبيعون الطعام ، فأخرج الورق التي كانت معه ، فأعطاها رجلا منهم فقال : يا عبد اللَّه بعني بهذه الورق طعاما ، فأخذها الرجل ، ونظر إلى ضرب الورق ونقشها ، وعجب منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه ، فنظر إليها ، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم ، من رجل إلى رجل ، وهم يعجبون منها ، ثم جعلوا يتشاورون من أجله ، ويقول بعضهم : إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل ، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا ، وحزن حزنا عظيما ، وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه ، وإنما يريدون أن يحملوه إلى ملكهم دقيانوس ، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه ، فقال لهم ، وهو شديد الفرق : اقضوني حاجتي ، فقد أخذتم ورقي ، وإلا فامسكوا طعامك فلا حاجة لي فيه . فقالوا له : من أنت يا فتى وما شأنك ؟ واللَّه لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه منا ، فانطلق معنا وشاركنا فيه ، يخف عليك ما وجدت ، فإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك ، فلما سمع قولهم ، عجب في نفسه وقال : قد وقعت في كل شيء أحذر منه ، ثم قالوا : يا فتى واللَّه أنك لا تستطيع أن تكتم شيئا وجدته ، ولا تظن في نفسك أن ستخفى عليك . فجعل تمليخا لا يدري ما يقول ، وما يرجع إليهم وفرق حتى ما يحير إليهم جوابا . فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه ، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبلا ، حتى سمع به كل من فيها . فقيل : أخذ رجل عنده كنز ، واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم ، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون : واللَّه ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة ، وما رأيناه فيها قط وما نعرفه ، فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم ، مع ما سمع منهم . فلما اجتمع عليه أهل المدينة ، فرق وسكت ولم يتكلم ، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يصدق . وكان مستيقنا أن أباه وأخوته بالمدينة ، وأن حسبه في أهل المدينة ، من عظماء أهلها ، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا ، وقد استيقن أنه عشية أمس ، كان يعرف كثيرا من أهلها ، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحد . فبينما هو قائم كالحيران ينتظر من يأتيه من أهله إما أبوه أو بعض إخوته ، فيخلصه من أيديهم ، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها ، وهما رجلان صالحان ، اسم أحدهما أرموس والآخر اصطفوس ، فلما انطلق به إليهما ، ظن تمليخا إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه . فجعل يلتفت يمينا وشمالا ، وجعل الناس يسخرون