كمال الدين دميري
372
حياة الحيوان الكبرى
وأبو نعيم وأبو الهيصم ، وذهب بعض الناس إلى أنه الغرنوق ، وهو أغبر طويل الساقين ، والأنثى منه لا تقعد للذكر عند السفاد ، وسفاده سريع كالعصفور ، وهو من الحيوان الذي لا يصلح إلا برئيس ، لأن في طبعه الحذر والتحارس في النوبة ، والذي يحرس يهتف بصوت خفي ، كأنه ينذر بأنه حارس ، فإذا قضى نوبته قام الذي كان نائما يحرس مكانه حتى يقضى كل ما يلزمه من الحراسة ولها مشات ومصايف ، ومنها ما يلزم موضعا واحدا ومنها ما يسافر بعيدا ، وفي طبعه التناصر ، ولا تطير الجماعة منه متفرقة ، بل صفا واحدا ، يقدمها واحد منها ، كالرئيس لها وهي تتبعه ، يكون ذلك حينا ، ثم يخلفه آخر منها مقدما ، حتى يصير الذي كان مقدما مؤخرا ، وفي طبعه أن أبويه إذا كبرا عالهما ، وقد مدح هذا الخلق أبو الفتح كشاجم حيث يقول مخاطبا لولده : اتخذ في خلة الكراكي أتخذ فيك خلة الوطواط أنا إن لم تبرني في عناء فببري ترجو جواز الصراط ومعنى قوله خلة الوطواط ، أنه يبر ولده فلا يتركه بمضيعة ، بل يحمله معه حيثما توجه ، وقد كذب المحدثون جميع بن عمير التيمي في قوله : إن الكراكي تفرخ في السماء ولا تقع فراخها ، وله في السنن الأربعة ثلاثة أحاديث وحسن له الترمذي لكنه من عتق الشيعة . قال القزويني : والكراكي لا يمشي على الأرض إلا بإحدى رجليه ، ويعلق الأخرى ، وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به الأرض . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ، في مالك الحزين طرف من هذا . ولملوك مصر وأمرائها في صيده تغال لا يدرك حده ، وإنفاق مال لا يستطاع حصره وعده ، فلذلك علت مملكتهم على كثير من الممالك ، ولن يهلك على اللَّه إلا هالك أو متهالك . وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس وأبي موسى ، أن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه كان نقش خاتمه كركي له رأسان ، قال ابن بطال : وهذا إن كان صحيحا ، فلا حجة فيه لإباحة ذلك لترك الناس العمل به ، ولنهيه صلى اللَّه عليه وسلم عن التصوير . فائدة : ذكر السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما كان في بني سعد ، نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه ، ومج الآخر في فيه بمنقاره ثلجا ، أو بردا أو نحو هذا . قال : وهي رواية غريبة ذكرها يونس عنه . وفي أوائل المجالسة للدينوري ، أنه « أقبل عليه صلى اللَّه عليه وسلم طيران أبيضان ، كأنهما نسران » . إلى آخره . وفي المستدرك : « فأقبل عليه صلى اللَّه عليه وسلم طيران أبيضان كأنهما نسران » . وذكر الحديث بطوله . وروى ابن أبي الدنيا وغيره ، بإسناد يرفعه إلى أبي ذر رضي اللَّه عنه ، قال : قلت : يا رسول اللَّه كيف علمت أنك نبي وبم علمت حتى استيقنت ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : « يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض ، وكان الآخر بين السماء والأرض ، فقال أحدهما لصاحبه : أهو هو ؟ قال : هو هو . قال : فزنه برجل ، فوزنني برجل فرجحته . ثم قال : زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم . ثم قال : زنه بمائة فوزنني فرجحتهم . ثم قال : زنه بألف فوزنني فرجحتهم . ثم قال أحدهما