كمال الدين دميري

326

حياة الحيوان الكبرى

الساكنين ، قال أبو عبيدة : يروى عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما ، أنه قال « 1 » لابن الزبير ، حين خرج الحسين رضي اللَّه تعالى عنه إلى العراق : خلا لك الجو فبيضي واصفري ولطرفة بن العبد ، قصة عجيبة مع عمرو بن المنذر بن امرئ القيس ، لما كتب له وللمتلمس صحيفتين ، ويقال له عمرو بن هند ، وكان لا يبتسم ولا يضحك ، وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة لشدة ملكه ، فإنه ملك ثلاثا وخمسين سنة ، وكانت العرب تهابه هيبة شديدة . وقال السهيلي : إنه هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء ، وهند أمه وسمي أبوه المنذر بابن ماء السماء لشدة جماله ، وهو المنذر بن الأسود ، ويعرف عمرو بمحرّق ، لأنه حرق مدينة يقال لها ملهم ، وهي عند اليمامة ، وقال العتبي والمبرد : سمي محرقا لأنه حرق مائة من بني تميم . ملك ثلاثا وخمسين سنة . وكان طرفة غلاما معجبا فجعل يتخلج في مشيته بين يديه ، فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه من مجلسه ، فقال له المتلمس حين قاما : يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك ، فقال طرفة : كلا . ثم إنه كتب لهما كتابين إلى المكعبر وكان عامله على البحرين وعمان ، فخرجا من عنده وسارا حتى إذا هبطا بأرض قريبة من الحيرة ، فإذا هما بشيخ معه كسرة يأكلها وهو يتبرز ويقصع القمل ، فقال له المتلمس : باللَّه ما رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك ! فقال له : وما الذي أنكرت علي ؟ فقال : تتبرز وتأكل وتقصع القمل ! قال : إني أخرج خبيثا ، وأدخل طيبا ، وأقتل عدوا ! ولكن أحمق مني وألأم حامل حتفه بيمينه ، لا يدري ما فيه ! فتنبه المتلمس ، وكأنما كان نائما ، فإذا هو بغلام من أهل الحيرة يسقي غنيمة له من نهر الحيرة ، فقال له المتلمس : يا غلام أتقرأ ؟ قال : نعم . قال : اقرأ هذه ، فإذا فيها باسمك اللهم ، من عمرو بن هند إلى المكعبر ، إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا . فألقى الصحيفة في النهر ، وقال : يا طرفة معك واللَّه مثلها . فقال : كلا ، ما كان ليكتب لي مثل ذلك . ثم أتى طرفة إلى المكعبر ، فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا . فضرب المثل بصحيفة المتلمس ، لمن يسعى في حتفه بنفسه ، ويغرر بها . وستأتي الإشارة إلى هذه القصة ، في باب الكاف ، في لفظ الكروان . وكان سبب إحراق عمرو بن هند لبني تميم ، كما قاله العتبي والمبرد أن عمرا كان له أخ ، وهو أسعد بن المنذر ، وكان مسترضعا في بني دارم ، فانصرف ذات يوم من صيده وبه نبيذ ، فمر بابل لسويد بن ربيعة التميمي ، فنحر منها بكرة فرماه سويد بسهم فقتله . فلما سمع عمرو بن هند بقتل أخيه حلف ليحرقن منهم مائة رجل ، فأخذ منهم تسعة وتسعين رجلا ، فقذفهم في النار ، ثم أراد أن يبر قسمه بعجوز منهم ليكمل العدد ، فقالت : هلا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه ؟ ثم قالت : هيهات صارت الفتيان حمما ! ومر وافد البراجم ، فاشتم رائحة اللحم ، فظن أن الملك قد اتخذ طعاما ، فعرج إليه فأتى به إليه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا وافد البراجم ، فقال « 2 » له عمرو :

--> « 1 » معجم الأدباء : 4 / 397 . « 2 » جمهرة الأمثال : 1 / 102 .