كمال الدين دميري
283
حياة الحيوان الكبرى
وها هن فيه معي . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « ضعهن عنك » . فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن ، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لأصحابه : « أتعجبون لرحمة أم الفراخ فراخها » ؟ قالوا : نعم يا رسول اللَّه . قال صلى اللَّه عليه وسلم : « فوالذي بعثني بالحق نبيا للَّه أرحم بعباده من أم هؤلاء الأفراخ بفراخها ، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن » . فرجع بهن وأمهن ترفرف عليهن . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « 1 » : « إن للَّه مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فبها يعطف الرجل على ولده ، والطير على فراخه ، فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق » . قال أبو أيوب السجستاني : إن رحمة اللَّه قسمها في دار الدنيا وأصابني منها الإسلام ، وإني لأرجو من تسع وتسعين رحمة ، ما هو أكثر من ذلك . وروى « 2 » مسلم أيضا والنسائي والترمذي ، عن ثابت عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين قد خفت ، وفي رواية الترمذي : قد جهد فصار مثل الفرخ ، فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « هل كنت تدعو اللَّه بشيء أو تسأله إياه » ؟ قال : نعم . كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « سبحان اللَّه لا تطيقه ولا تستطيعه ، أفلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » . قال : فدعا اللَّه به فشفاه . ومعنى قوله : مثل الفرخ أنه ضعف ونحل جسمه ، وخفي كلامه . وتشبيهه له بالفرخ يدل على أنه تناثر أكثر شعره ، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه ، والأول أوقع في التشبيه . ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة . وفي هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة ، وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وفيه جواز التعجب بقول : سبحان اللَّه ، وقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « إنك لا تطيقه » ، يعني أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد في الدنيا لأن نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد ، والألم العظيم ، بل إذا عظم على الإنسان هلك ومات . وأما نشأة الآخرة ، فهي للبقاء إما في النعيم أو العذاب ، إذ لا موت ، كما قال اللَّه تعالى : في حق الكفار * ( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) * « 3 » نسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة ، ثم إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أرشده إلى أحسن ما يقال لأنها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة ، وذلك أن النكرة في سياق الطلب عامة ، فكأنه يقول : أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة . وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافا يدل على عدم التوفيق ، وعلى قلة التأمل لوضع الكلمة ، فقيل : الحسنة في الدنيا العلم والعبادة ، وفي الآخرة الجنة والمغفرة ، وقيل : العافية ، وقيل : المال وحسن المآل ، وقيل : المرأة الصالحة والحور العين . والصحيح الحمل على العموم ، قال النووي : وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة أنها في الدنيا
--> « 1 » رواه البخاري : رقاق 19 ، ومسلم توبة 18 ، 21 . « 2 » رواه الترمذي : دعوات 99 ، وابن ماجة : زهد 35 . « 3 » سورة النساء : آية 56 .