كمال الدين دميري

284

حياة الحيوان الكبرى

العبادة والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة . وقيل : الحسنة نعيم الدنيا ونعيم الآخرة . وفي تاريخ ابن النجار وعوالي أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة وعالمها ومسندها ، وهو من كبار شيوخ البخاري ، من حديث الحسن بن أبي الحسن عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « كان فيمن قبلكم رجل يأتي وكر طائر ، كلما أفرخ أخذ فراخه فشكا ذلك الطائر إلى اللَّه تعالى ما يفعل به ، فأوحى اللَّه تعالى إليه إن عاد فسأهلكه ، فلما أفرخ ذلك الطير ، خرج ذلك الرجل كما كان يخرج ، فبينما هو في بعض الطريق سأله سائل فأعطاه رغيفا كان معه يتغذاه ، ثم مضى حتى أتى الوكر ووضع سلمه ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران إليه ، فقالا : ربنا إنك لا تخلف الميعاد ، وقد وعدتنا أنك تهلك هذا إذا عاد ، وقد عاد وأخذ فرخينا ولم تهلكه ، فأوحى اللَّه إليهما ، ألم تعلما أني لا أهلك أحدا تصدق بصدقة في يومه بموتة سوء وقد تصدق » . فائدة : كانت رؤية فرخ الطائر سببا لتمني حنة امرأة عمران الولد ، وذلك أنها كانت عاقر لم تلد إلى أن عجزت ، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يزق فرخا فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت : * ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * « 1 » ، أي السميع لدعائي العليم بضميري ، فنذرت أن تتصدق به على بيت المقدس ، فيكون من سدنته وخدمته ، وكان ذلك في شريعتهم جائزا فحملت بمريم ، وهلك عمران وهي حامل * ( فَلَمَّا وَضَعَتْها ، قالَتْ : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى والله أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثى وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ، فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ) * « 2 » ووصفها بأنها أحصنت فرجها . قال الزمخشري : إحصانا كليا عن الحلال والحرام جميعا . كما قال « 3 » تعالى : * ( ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أَكُ بَغِيًّا ) * وقال السهيلي : أحصنت فرجها ، يريد فرج القميص ، أي لم يتعلق بثوبها ريبة ، فهي طاهرة الأثواب ، وفروج القميص أربعة : الكمان والأعلى والأسفل فلا يذهبن فكرك إلى غير هذا ، وهذا من لطيف الكناية لأن القرآن أنزه معنى وأوجز لفظا ، وألطف إشارة ، وأحسن عبارة ، من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل ، لا سيما والنفخ من روح القدس ، بأمر القدوس ، فأضف القدس إلى القدوس ، ونزه المقدسة عن الظن الكاذب والحدس وباللَّه التوفيق . فرع : ومن أحكام الفرخ أنه إذا غصب إنسان بيضا فحضنه دجاجه ، كانت الفراخ لصاحب البيض لأنها من عين المغصوب ، وقال أبو حنيفة رضي اللَّه تعالى عنه : يضمن البيض ولا يرد الفراخ ، واستدل على ذلك بأنه خلق سوى البيض ، قال تعالى في سورة المؤمنون : * ( ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ ) * « 4 » . وفي كتاب التحفة المكية للقاضي نصر العمادي ، عن إبراهيم بن أدهم رحمه اللَّه تعالى أنه قال : بلغني أنه كان رجل من بني إسرائيل ذبح عجلا بين يدي أمه فأيبس اللَّه يده ، فبينما هو ذات

--> « 1 » سورة آل عمران : آية 35 . « 2 » سورة آل عمران : آية 36 ، 37 . « 3 » سورة مريم : آية 20 . « 4 » سورة المؤمنون : آية 14 .