كمال الدين دميري

249

حياة الحيوان الكبرى

حاوله الشيطان ، كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته وكان في إنزال اللَّه تعالى لذلك حكمة . وفي نسخه حكم ليضل به من يشاء ويهدي به من يشاء ، وما يضل به إلا الفاسقين ، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ، والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذي أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن اللَّه لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم . فائدة أخرى : روى الإمام محمد بن الربيع الجيزي ، في مسند من دخل مصر من الصحابة ، رضي اللَّه تعالى عنهم ، عن عقبة بن عامر رضي اللَّه تعالى عنه ، أنه قال : كنت عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أخدمه ، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب ، فقالوا : استأذن لنا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي عز وجل » ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم : « ابغني وضوءا » فتوضأ . ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين ، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر . ثم قال صلى اللَّه عليه وسلم : « اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم » قال : فأدخلتهم ، فلما رفعوا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا ، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم » . فقالوا : بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال صلى اللَّه عليه وسلم : « جئتم تسألونني عن ذي القرنين ، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا ، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر ، فابتنى عنده مدينة يقال لها الإسكندرية ، فلما فرغ من بنائها ، أتاه ملك فعرج به حتى استقله ، فرفعه ثم قال له : انظر ماذا ترى تحتك ، قال : أرى مدينتي وأرى مدائن معها ، ثم عرج به وقال : انظر ماذا تحتك قال : قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها ، ثم زاد فقال : انظر فقال : أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك : إنما تلك الأرض كلها ، والذي ترى محيطا بها هو البحر . وإنما أراد ربك عز وجل أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا . وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم ، فسار حتى بلغ مغرب الشمس ، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس ، ثم أتى السدين ، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء ، فبنى السد ، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب ، يقاتلون يأجوج ومأجوج ، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب ، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار ، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة ، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض » فقالوا : نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا . وروي أن ذا القرنين ، لما بنى السد وأحكمه ، انطلق يسير حتى وقع على أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون ، مقسطة مقتصدة يقسمون بالسوية ، ويحكمون بالعدل ، ويتراحمون حالهم واحدة وكلمتهم واحدة ، وأخلاقهم مستقيمة ، وطريقتهم مستوية ، وقبورهم بأبواب بيوتهم ، وليس لبيوتهم أغلاق ، وليس عليهم أمراء ، ولا بينهم قضاة ، ولا بينهم أغنياء ولا فقراء ، ولا أشراف ولا ملوك ، لا يختلفون ولا يتفاضلون ، ولا يتنازعون ولا يتسابون ، ولا يقتتلون ولا يضحكون ، ولا يحزنون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس ، وهم أطول الناس أعمارا ، وليس