كمال الدين دميري
245
حياة الحيوان الكبرى
نوح « « 1 » . وذلك أن نوحا عليه الصلاة والسلام أرسله لينظر هل غرقت البلاد ويأتيه بالخبر ، فوجد جيفة طافية على وجه الماء فاشتغل بها ، ولم يأته بالخبر ، فدعا عليه فعقلت رجلاه ، وخاف من الناس . وقالوا « 2 » : « كأنهم كانوا غرابا واقعا » ، يضرب فيما ينقضي سريعا ، فإن الغراب ، إذا وقع لا يلبث أن يطير . وقالوا : « كالغراب والذئب » يضرب للرجلين بينهما موافقة فلا يختلفان ، لأن الذئب إذا أغار على غنم تبعه الغراب ليأكل ما فضل منه . وقالوا : « الغراب أعرف بالتمر » « 3 » . وذلك أن الغراب لا يأخذ إلا الأجود منه ، ولذلك يقال : « وجد تمرة الغراب » « 4 » ، إذا وجد شيئا نفيسا . وقالوا : « أشأم من غراب البين » « 5 » ، وإنما لزمه هذا الاسم لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة ، وقع في موضع بيوتهم يلتمس ويتقمقم فيتشاءموا به ، ويتطيروا منه ، إذ كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا ، فلذلك سموه غراب البين . وقال فيه شاعرهم : وصاح غراب فوق أعواد بانة بأخبار أحبابي فهيمني الفكر فقلت : غراب باغتراب وبانة ببين النوى تلك العيافة والزجر وهبّت جنوب باجتنابي منهم وهاجت صبا قلت : الصبابة والهجر وقالوا : « أحذر من غراب » « 6 » . حكى المسعودي ، عن بعض حكماء الفرس ، أنه قال : أخذت من كل شيء أحسن ما فيه ، حتى انتهى بي ذلك إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب ، قيل له : فما أخذت من الكلب ؟ قال : ألفه لأهله ، وذبه عن صاحبه . قيل : فما أخذت من الهرة ؟ قال : حسن تأنيها ، وتملقها عند المسألة . قيل : فما أخذت من الخنزير ؟ قال : بكوره في حوائجه . قيل : فما أخذت من الغراب ؟ قال : شدة حذره . وقالوا : « أغرب من غراب » « 7 » ، و « أشبه بالغراب من الغراب » « 8 » . غريبة : رأيت في كتاب الدعوات ، للإمام أبي القاسم الطبراني ، وفي تاريخ ابن النجار ، في ترجمة أبي يعقوب يوسف بن الفضل الصيدلاني ، وفي الإحياء ، في كتاب آداب السفر ، عن زيد بن أسلم عن أبيه ، قال : بينما عمر رضي اللَّه تعالى عنه جالس يعرض الناس ، إذ هو برجل معه ابنه فقال له : ويحك ما رأيت غرابا أشبه بغراب من هذا بك قط ! قال : يا أمير المؤمنين ، هذا ما ولدته أمه إلا وهي ميتة ! فاستوى عمر جالسا وقال له : حدثني حديثه ، قال : يا أمير المؤمنين خرجت لسفر ، وأمه حامل به ، فقالت : تخرج وتتركني على هذا الحال حاملا مثقلة ؟ فقلت : استودع اللَّه ما في بطنك . ثم خرجت فغبت أعواما ثم قدمت فإذا بابي مغلق . فقلت : ما فعلت فلانة ، قالوا : ماتت . فقلت : إنا للَّه وإنا إليه راجعون ، ثم انطلقت إلى قبرها ، فبكيت عندها ، ثم رجعت فجلست إلى بني عمي ، فبينما أنا كذلك ، إذ ارتفعت لي نار من بين القبور ، فقلت لبني عمي : ما هذه النار ؟ فقالوا : ترى على قبر فلانة كل ليلة ! فقلت : إنا للَّه وإنا إليه راجعون ، أما
--> « 1 » مجمع الأمثال : 1 / 119 . « 2 » مجمع الأمثال : 2 / 147 . « 3 » مجمع الأمثال : 2 / 63 . « 4 » جمهرة الأمثال : 2 / 263 . « 5 » جمهرة الأمثال : 1 / 457 . « 6 » جمهرة الأمثال : 1 / 318 . « 7 » جمهرة الأمثال : 2 / 76 . « 8 » جمهرة الأمثال : 1 / 55 .