كمال الدين دميري
170
حياة الحيوان الكبرى
عقلها بتنكير العرش ، واختبر أمر رجليها بالصرح لتكشف عن ساقيها ، وتنكيره بأن يزيد فيه وينقص منه . والقصة في ذلك مشهورة في كتب التفسير ، ولما أسلمت وأذعنت وأقرت على نفسها بالظلم ، روي أنه تزوجها وردها إلى ملكها باليمن ، وكان يأتيها على الريح في كل شهر مرة ، فولدت له غلاما فسماه داود ومات في حياته . وقيل : إنه جعل يعني لما زاد في العرش ونقص منه ، مكان الجوهر الأخضر أحمر ومكان الأحمر أخضر ، فلما جاءت قيل : أهكذا عرشك ؟ قالت : كأنه هو . وقيل : عرفته . ولكنها شبهت عليهم ، كما شبهوا عليها ، قاله مقاتل . وقال عكرمة : كانت بلقيس حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب ، ولم تقل لا خوفا من التنكيت عليها ، بل قالت : كأنه هو ، فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر . وقيل : إنه اشتبه عليها أمر العرش ، لأنها لما أرادت الشخوص إلى سليمان ، دعت قومها وقالت لهم : واللَّه ما هذا ملك ، وما لنا به من طاقة ، ثم أرسلت إلى سليمان : إني قادمة عليك بملوك قومي ، حتى أنظر ما أمرك ، وما الذي تدعو إليه من دينك . ثم أمرت بعرشها وكان من ذهب وفضة ، مرصعا بالياقوت والجوهر ، فجعلته في جوف سبعة أبيات ، عليه سبعة أغلاق كما تقدم ، ووكلت به حراسا يحفظونه ، ثم قالت لمن خلفته على سلطانها : احتفظ بما قبلك لا يخلص إليه أحد ، ولا ترينه أحدا حتى آتيك . وشخصت إلى سليمان باثني عشر ألف قيل من أقيال اليمن ، تحت كل قيل ألوف كثيرة ، فلما جاءت ، قيل : أهكذا عرشك ؟ فاشتبه عليها أمر العرش ، فقالت : كأنه هو . ثم قيل لها : ادخلي الصرح . قيل : إنه قصر من زجاج كأنه الماء بياضا ، وقيل : الصرح الصحن في الدار ، وأجرى تحته الماء ، وألقى فيه شيئا كثيرا من دواب البحر ، كالسمك والضفادع وغيرها ، ثم وضع سرير سليمان في صدره ، فكان الصرح إذا رآه أحد حسبه لجة ماء . قيل : إنه إنما بنى الصرح ، لأنه أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها ، من غير أن يسألها كشفها . وقيل : أراد أن يختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف ، وقد تقدم ذكر ذلك في باب الدال المهملة ، في الدود . فجلس سليمان عليه السلام على السرير ، ودعا بلقيس ، فلما جاءت ، قيل لها : ادخلي الصرح ، فلما رأته حسبته لجة ، وهي معظم الماء ، وكشفت عن ساقيها لتخوضها إلى سليمان ، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا شعر الساقين ، فلما رأى سليمان ذلك ، صرف بصره عنها وناداها : إنه صرح ممرد من قوارير وليس بماء ، ثم دعاها إلى الإسلام . وكانت قد رأت حال العرش والصرح . فأجابت . وقيل : إنها لما بلغت الصرح وحسبته لجة ، قالت في نفسها : إن سليمان يريد أن يغرقني ، وكان القتل أهون علي من هذا ، فقولها ظلمت نفسي يعني بذلك الظن . وقيل : إنه عليه السلام لما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها ، فسأل الإنس ما يذهب هذا ؟ قالوا : الموسى . قالت : لا تمسني حديدة قط . وكره سليمان الموسى ، وقال : إنها تقطع ساقيها ، فسأل الجن ، فقالوا : لا ندري ، فسأل الشياطين ، فقالوا : إنا نحتال لك حتى يكونا كالفضة البيضاء ، فاتخذوا النورة والحمام ومن يومئذ ظهرت النورة والحمامات ، ولم تكن قبل ذلك . فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا ، وأقرها على ملكها ، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض