كمال الدين دميري
171
حياة الحيوان الكبرى
اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا ، وهي سليجين وبينون وغمدان . ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام يبتكر من الشأم إلى اليمن ، ومن اليمن إلى الشأم على الريح ، وولدت له غلاما سماه داود فمات في حياته . وبلقيس هي بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان ، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولده أربعون ملكا هو آخرهم ، وكان ملك أرض اليمن كلها ، وكان يقول لملوك الأطراف : ليس أحد منكم كفؤا لي وأبي أن يتزوج منهم ، وأنه تزوج امرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن ، فولدت له بلقيس . ولم يكن له ولد غيرها . وقد جاء في الحديث ما يؤيد هذا ، وهو قوله إن أحد أبوي بلقيس كان جنيا ، فلما مات أبوها ، طمعت في الملك ، وطلبت من قومها أن يبايعوها ، فأطاعها قوم وعصاها آخرون ، وملكوا عليهم رجلا ، وافترقوا فرقتين : كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن ، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته ، حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ، ويفجر بهن ، فأراد قومه خلعه ، فلم يقدروا على ذلك ، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة ، فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها وقال : ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك ، فقال : لا أرغب عنك وأنت كفء كريم ، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم ، فجمعهم فخطبها إليهم ، فذكروا لها ذلك فقالت : أجبت ، فزوجوها به ، فلما زفت إليه ودخلت عليه ، سقته الخمر حتى سكر وغلب على نفسه ، ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها ، وأمرت بنصب رأسه على باب دارها ، فلما رأى الناس ذلك علموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها ، فاجتمعوا إليها وملكوها عليهم . وفي الحديث عن أبي بكرة قال : إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى ، قال « 1 » : « لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » رواه البخاري . تذنيب : اعلم أن الحكماء قد ذكروا أن للحمام والنورة منافع ومضار ، فمن منافعه أنه يوسع المسام ، ويستفرغ الفضول ، ويحلل الرياح ، ويحبس الطبيعة ، من هيضة ورطوبة ، وينظف البدن من الوسخ والعرق ، ويذهب الحكة والجرب والاعياء ، ويلين الجسد ، ويجيد الهضم ، ويعد البدن لاستعداد الغذاء ، وينشط الأعضاء المتشنجة ، وينضج النزلات والزكام ، وينفع من حميات يوم والدق والربع والبلغمية بعد نضجها . قلت : إذا دبر ذلك طبيب حاذق . ومن مضاره تسهيل صب الفضول إلى الأعضاء الضعيفة ، ويرخي البدن ويضعف الحرارة الغريزية ، والأعضاء العصبية ويضعف الباه ، ووقته بعد الرياضة ، وقبل الغذاء إلا المتخلخلي الأبدان الكثيري المرار ، وإياك أن تدخل الحمام وتخرج منه بحميتك ، وإذا أردت الخروج ، فأخرج إلى المسلخ متدرجا ، وأفرغ عليك ثوبا نظيفا مبخرا ، واجتنب النساء يوما وليلة . وتكره المجامعة في الحمام لأنها تورث الاستسقاء وأمراضا رديئة . ويكره للانسان شرب الماء البارد عقب الطعام الحار والحلو والتعب والمجامعة والحمام والأكل ، فإن ذلك مضر جدا ، وأجود الحمامات القديمة الشاهقة العذبة .
--> « 1 » رواه البخاري : مغازي 82 ، فتن 18 . والترمذي : فتن 75 .