كمال الدين دميري

161

حياة الحيوان الكبرى

المتوكل : كيف أحسنت ؟ قال : أحسنت إلى العصفور ، ويروى عن الجنيد ، أنه قال : أخبرني محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حج مع أيوب الجمال قال : فلما دخلنا البادية ، وسرنا منازل ، إذ بعصفور يحوم حولنا ، فرفع أيوب رأسه إليه وقال له : قد جئت إلى هنا ! فأخذ كسرة خبز ففتها في كفه فانحط العصفور وقعد على كفه ، فأكل منها ثم صب له ماء فشربه ، ثم قال له : اذهب الآن فطار العصفور ، فلما كان من الغد ، رجع العصفور ، ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول ، فلم يزل كل يوم يفعل به مثل ذلك ، إلى آخر السفر . ثم قال أيوب : أتدري ما قصة هذا العصفور ؟ قال : لا . قال : إنه كان يجيئني في منزلي كل يوم ، فكنت أفعل به في ما رأيت ، فلما خرجنا تبعنا يطلب منا ما كنت أفعل به في المنزل . روى البيهقي وابن عساكر ، بسندهما إلى أبي مالك ، قال : مر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعصفور يدور حول عصفورة ، فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : وما يقول يا نبي اللَّه ؟ قال : يخطبها لنفسه ، ويقول : تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت . قال سليمان : وإنه عرف أن قصور دمشق مبنية بالصخر ، لا يقدر أن يسكنها ، لكن كل خاطب كذاب . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى له نظير ، في باب الفاء ، في الفاختة ، وكان سليمان عليه السلام يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ، ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها كما تقدم في باب الطاء المهملة ، في الطيطوي . قال اللَّه تعالى حكاية عنه : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) * « 1 » وكذلك كان يعرف لغات ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات . فائدة : روى مسلم عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها ، أنها قالت ، حين توفي صبي من الأنصار ، بين أبوين مسلمين : طوبى له عصفور من عصافير الجنة . فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « أو غير ذلك أن اللَّه تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » « 2 » ومن الناس من قدح في هذا الحديث بأنه من رواية طلحة بن يحيى وهو متكلم فيه . والصواب صحته وهو في صحيح مسلم ولكنه صلى اللَّه عليه وسلم نهانا عن المسارعة إلى القطع ، أو أنه قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة كذا . قال بعضهم : وليس بصحيح لأن سورة الطور مكية ودلت على تبعيتهم ، أو أن قطع عائشة بذلك قطع بايمان أبويه ، ويحتمل أن يكونا منافقين ، فيكون الصبي ابن كافرين . وروى ابن قانع ، في ترجمة الشريد بن سويد الثقفي ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « 3 » : « من قتل عصفورا عبثا عج إلى اللَّه يوم القيامة ، فقال : يا رب عبدك قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة » . وروى في حديث آخر أن رجلا من أهل الصفة استشهد ، فقالت له أمه : هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة ، هاجرت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وقتلت في سبيل اللَّه . فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره » . وروى البيهقي في الشعب ، عن مالك بن دينار ، قال : مثل قراء هذا الزمان ، مثل رجل نصب فخا ، فجاء عصفور فوقع في فخه فقال : ما لي أراك مغيبا في التراب ؟ قال : للتواضع ،

--> « 1 » سورة النمل : آية 16 . « 2 » رواه مسلم : قدر 30 ، 31 . والنسائي : جنائز 58 . « 3 » رواه النسائي : ضحايا 42 . وابن حنبل 4 - 389 .