كمال الدين دميري

162

حياة الحيوان الكبرى

قال : فمم حنيت ؟ قال : من طول العبادة . قال : فما هذه الحبة في فيك ؟ قال : أعددتها للصائمين . فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه . فقال العصفور : إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم . وفيه أيضا عن الحسن ، أن لقمان قال لابنه : يا بني حملت الجندل والحديد ، وكل حمل ثقيل فلا أجد شيئا أثقل من الجار السوء ، وذقت المرار كله فلم أذق شيئا أمر من الفقر ، يا بني لا ترسل رسولا جاهلا فإن لم تجد حكيما ، فكن رسول نفسك . يا بني إياك والكذب ، فإنه شهي كلحم العصفور ، وعما قليل يقلي صاحبه . يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس ، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا . يا بني لا تأكل شبعا على شبع ، فإنك إن تلقيه إلى الكلب خير لك من أن تأكله . يا بني لا تكن حلوا فتبلع ، ولا مرا فتلفظ . ورأيت في بعض المجاميع عن الحسن ، أن لقمان قال لابنه : يا بني اعلم أنه لا يطأ بساطك إلا راغب فيك ، أو راهب منك ، فأما الراهب منك الخائف فأدن مجلسه وتهلل في وجهه ، وإياك والغمز من ورائه ، وأما الراغب فيك فاظهر له البشاشة مع صفاء الباطن له ، وأبدأه بالنوال قبل السؤال ، فإنك إن تلجئه إلى السؤال منك تأخذ من حر وجهه ضعفي ما تعطيه . وأنشدوا على هذا : إذا أعطيتني بسؤال وجهي فقد أعطيتني وأخذت مني يا بني ابسط حملك للقريب والبعيد ، وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم ، وصل أقاربك ، وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك ، لم تعبهم ولم يعيبوك أه . وقد أذكرني هذا ، ما حكاه بعض أشياخي أن الإسكندر وجه رسولا إلى بعض ملوك الشرق فعاد رسوله برسالة ، شك الإسكندر في حرف منها ، فقال له الإسكندر : ويحك إن الملوك لا يخاف عليها إلا إذا مالت بطانتها ، وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ ، بينة العبارة ، غير أن فيها حرفا ينقصها ، فعلى يقين أنت منه أم شاك فيه ؟ فقال الرسول : على يقين . فأمر الإسكندر أن تكتب ألفاظها حرفا حرفا ، وتعاد إلى الملك مع رسول آخر ، فتقرأ عليه وتترجم له . فلما قرىء الكتاب على الملك ، مر بذلك الحرف فأنكره ، فقال للمترجم : ضع يدك على هذا الحرف ، فوضعها وأمر أن يقطع ذلك الحرف ، فقطع من الكتاب ، وكتب إلى الإسكندر رأس المملكة صحة فطنة الملك ، ورأس الملك صدق لهجة رسوله ، إذا كان عن لسانه ينطق ، وإلى اذنه يؤدي وقد قطعت ما لم يكن من كلامي ، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا . فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر ، دعا الرسول الأول ، وقال له : ما حملك على كلمة أردت بها الفساد بين ملكين ؟ فأقر الرسول أن ذلك لتقصير رآه من الموجه إليه ، فقال له الإسكندر : ما أراك سعيت إلا لنفسك لا لنا ، فلما فاتك ما أملت ، جعلت لك ثأرا في الأنفس الخطيرة الرفيعة . ثم أمر بلسانه فنزع من قفاه . وقال يحيى بن خالد بن برمك : ثلاثة أشياء تدل على عقول الرجال : الهدية والرسول والكتاب . وسمع أبو الأسود الدؤلي رجلا ينشد : إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيما ولا توصه