كمال الدين دميري
303
حياة الحيوان الكبرى
فخار وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهما ، وحوله حصن من زمرذ ، وهو الصدق والاخلاص له تعالى ، وحوله حصن من لؤلؤ رطب ، وهو أدب النفس . فالمؤمن من داخل هذه الحصون ، وإبليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب ، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون . فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في جميع أحواله ويتهاون به في كل ما يأتي ، فإن من ترك أدب النفس وتهاون به ، فإنه يأتيه الخذلان لتركه حسن الأدب مع اللَّه تعالى ، ولا يزال إبليس يعالجه ، ويطمع فيه ويأتيه حتى يأخذ منه جميع الحصون ، ويرده إلى الكفر نعوذ باللَّه من ذلك . انتهى وما ذكره من الفريضتين في الآية قد يشكل ، فيقال : ليس فيها إلا فريضة واحدة ، وهي قوله تعالى : * ( فَاتَّخِذُوه عَدُوًّا ) * « 1 » إذ الأمر يقتضي الوجوب عند عدم قرينة تدل على خلافه . وقد سألت شيخنا الإمام اليافعي رحمه اللَّه عن الفريضة الثانية ، أين هي من الآية ؟ فأجاب قدّس اللَّه روحه ، بأن فيها فريضة علمية وفريضة عملية ، فالأولى العلم بكونه عدوّا والثانية العمل في اتخاذ العداوة له انتهى وأما ما تقدم من ذكر الحصون فهو في نهاية الحسن والتحقيق ، لكن قد يستولي الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض فيرد العبد إلى الفسق دون الكفر ، فيستحق النار من غير تخليد ، وقد لا يرده إلى الفسق ، ولكن يردّه إلى ضعف الايمان ، فلا يستحق النار ولكن يستحق النزول عن رتبة أهل الايمان الكامل ، وكل هذا التفاوت بسبب تفاوت الحصون المذكورة ، إذ ليس أخذ حصن المعرفة والإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة ، وبقية الحصون تتفاوت أيضا ، فليس أخذ حصن الصدق والإخلاص ، كأخذ حصن الأمر والنهي وكذلك سائر الحصون ، والكلام في ذلك يطول ولكن مهما بقي حصن الايمان وحصن التوكل كاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان ، لقوله تعالى : * ( إِنَّه لَيْسَ لَه سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * « 2 » وهؤلاء المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى : * ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) * * « 3 » وهم المؤمنون حقا لقوله تعالى : * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * « 4 » ثم قال في آخر وصفهم : * ( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) * * « 5 » وقد يكون أخذ حصن واحد مؤدّيا إلى الكفر ، وموجبا للتخليد في النار ، كحصن الإيمان باللَّه . ونعوذ باللَّه من ذلك ، ولكن لا يقدر على أخذ حصن الايمان ، حتى يأخذ الحصون التي حوله نسأل اللَّه الكريم الهدى والسلامة من الزيغ والردى . واعلم أن أوّل الواجبات المعرفة ، وقال الأستاذ : النظر وقال ابن فورك وإمام الحرمين : القصد إلى النظر وقد بسطنا الكلام على ذلك ، في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد ، وما قاله في ذلك علماء الشريعة ومشايخ الصوفية رحمهم اللَّه تعالى . فليراجع ذلك في الجزء السابع من الكتاب المذكور ، وباللَّه التوفيق . واختلفوا هل بعث اللَّه تعالى من الجن إليهم رسلا قبل بعثه نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم ؟ فقال الضحاك : كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى : * ( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) * « 6 » وقال المحققون : لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط وإنما الرسل من الإنس خاصة ، وهذا هو الصحيح
--> « 1 » سورة فاطر : الآية 6 . « 2 » سورة النحل : الآية 99 . « 3 » سورة الإسراء : الآية 65 . « 4 » سورة الأنفال : الآية 2 . « 5 » سورة الأنفال : الآية 4 . « 6 » سورة الأنعام : الآية 30 .