كمال الدين دميري

304

حياة الحيوان الكبرى

المشهور . وأما الجن ففيهم النذر . وأما الآية فمعناها من أحد الفريقين ، كقوله تعالى : * ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجانُ ) * « 1 » وإنما يخرجان من الملح دون العذب . وقال منذر بن سعيد البلوطي : قال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه : إن الذين لقوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم من الجن ، كانوا رسلا إلى قومهم ، وقال مجاهد : النذر من الجن ، والرسل من الإنس ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ) * « 2 » وقوله تعالى : * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * « 3 » وقيل المراد : مؤمنوا الفريقين . فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته ، وما خلق الأشقياء إلا للشقاوة ، ولا مانع من اطلاق العام وإرادة الخاص . وقيل : معناه إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها وقيل : إلا ليوحدون ، فإن قيل : لم اقتصر على الفريقين ولم يذكر الملائكة ؟ فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين ، بخلاف الملائكة فإن اللَّه قد عصمهم كما تقدم ، فإن قيل : لم قدّم الجن على الإنس في هذه الآية ؟ فالجواب أن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة ، فكان الأثقل أولى بأوّل الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وراحته . فرع : كان الشيخ عماد الدين بن يونس رحمه اللَّه ، يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ، ويقول : لا يجوز للإنسي أن يتزوج جنية لقوله « 4 » تعالى : * ( والله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) * وقال « 5 » تعالى : * ( ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً ) * فالمودة الجماع والرحمة الولد . ونص على منعه جماعة من أئمة الحنابلة . وفي الفتاوى السراجية : لا يجوز ذلك لاختلاف الجنس . وفي القنية سئل الحسن البصري عنه ؟ فقال : يجوز بحضرة شاهدين . وفي مسائل ابن حرب ، عن الحسن وقتادة أنهما كرها ذلك . ثم روي بسند فيه ابن لهيعة ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم « نهى عن نكاح الجن » . وعن زيد العمى ، أنه كان يقول : اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت . وروى ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه ، عن الطحاوي قال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول : تزوجت امرأة من الجن . فلم أرجع إليه . وروى في ترجمة سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « أحد أبوي بلقيس كان جنيا » . وقال الشيخ نجم الدين القمولي : وفي المنع من التزوج نظر ، لأن التكليف يعم الفريقين ، قال : وقد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية . انتهى قلت : وقد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن والعلم ، أخبرني أنه تزوج أربعا من الجن ، واحدة بعد واحدة . لكن يبقى النظر في حكم طلاقها ، ولعانها ، والإيلاء منها ، وعدتها ، ونفقتها ، وكسوتها ، والجمع بينها وبين أربع سواها ، وما يتعلق بذلك . وكل هذا فيه نظر لا يخفى . قال شيخ الإسلام شمس الدين الذهبي رحمه اللَّه تعالى : رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري ، وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال : سمعت الشيخ أبا الفتح القشيري

--> « 1 » سورة الرحمن : الآية 22 . « 2 » سورة الأحقاف : الآية 18 . « 3 » سورة الذاريات : الآية 56 . « 4 » سورة النمل : الآية 72 . « 5 » سوة الروم : الآية 21 .