كمال الدين دميري

191

حياة الحيوان الكبرى

* ( مِنْ قَبْلُ ومِنْ ذُرِّيَّتِه داوُدَ وسُلَيْمانَ وأَيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وزَكَرِيَّا ويَحْيى وعِيسى وإِلْياسَ ) * « 1 » ثم قال يحيى بن يعمر : فمن كان أبا عيسى وقد ألحقه اللَّه بذرية إبراهيم ؟ وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين . ومحمد صلوات اللَّه عليه وسلامه . فقال له الحجاج : ما أراك إلا قد خرجت ، وأتيت بها مبينة واضحة ، واللَّه لقد قرأتها وما علمت بها قط ، وهذا من الاستنباطات البديعة . ثم قال له الحجاج : أخبرني عني هل ألحن ؟ فسكت . فقال : أقسمت عليك . فقال : أما إذ أقسمت علي أيها الأمير ، فإنك ترفع ما يخفض وتخفض ما يرفع . فقال : ذاك واللَّه اللحن السيء . ثم كتب إلى قتيبة بن مسلم : إذا جاءك كتابي هذا فاجعل يحيى بن يعمر على قضائك والسلام . وقيل : إن الحجاج قال ليحيى : أسمعتني ألحن ؟ قال : في حرف واحد . قال : في أي ؟ قال : في القرآن . قال : ذلك أشنع ما هو ! قال : تقول * ( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ ) * « 2 » إلى قوله : * ( أَحَبَّ إِلَيْكُمْ ) * فتقرأها بالرفع . فقال له الحجاج : لا جرم تسمع لي لحنا . وألحقه بخراسان . قال الشعبي : كان الحجاج لما طال عليه الكلام نسي ما ابتدأ به . وذكره ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر « 3 » ، وفيه بعض مخالفة . قلت : في كلام يحيى تصريح بأن الضمير في ومن ذريته ، يعود على إبراهيم والذي في الكواشي والبغوي وغيرهما أن الضمير يعود إلى نوح ، لأن اللَّه تعالى ذكر من جملتهم يونس ولوطا فقال : * ( وزَكَرِيَّا ويَحْيى وعِيسى وإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وإِسْماعِيلَ والْيَسَعَ ويُونُسَ ولُوطاً وكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ « 4 » ) * ويونس ولوط من ذرية نوح لا من ذرية إبراهيم ، لكن استدلاله صحيح على القول الثاني أيضا . قال ابن خلكان : كان يحيى بن يعمر تابعيا عالما بالقرآن والنحو ، وكان شيعيا من الشيعة الأول ، يتشيع تشيعا حسنا ، يقول بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لأحد من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم . قال ابن خلكان : خطب أمير بالبصرة فقال : اتقوا اللَّه فإنه من يتق اللَّه فلا هوارة عليه . فلم يدروا ما قال الأمير فسألوا أبا سعيد يحيى بن يعمر العدواني ، فقال : الهوارة الضياع ، كأنه قال من اتقى اللَّه فلا ضياع عليه . والهورات المهالك واحدها هورة . وحدث الأصمعي بهذا الحديث ، فقال : إن الغريب لواسع ، لم أسمع بهذا قط . وتوفي يحيى بن يعمر سنة تسع وعشرين ومائة ويعمر بفتح الياء والميم بينهما عين مهملة ساكنة وقيل بضم الميم والأول أصح انتهى . تتمة : قال نصر اللَّه بن يحيى ، وكان من الثقات وأهل السنة : رأيت علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه في المنام ، فقلت له : يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم فقال لي : أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا ؟ فقلت : لا . فقال : إسمعها منه . ثم انتبهت فبادرت إلى حيص بيص ، فذكرت له الرؤيا فشهق وبكى وحلف باللَّه لم تخرج من فمه ولا خطه إلى أحد وما نظمها إلا في ليلته ثم أنشدني قوله « 5 » : ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح

--> « 1 » سورة الأنعام : الآية 84 - 85 - 86 . « 2 » سورة التوبة : الآية 24 . « 3 » وفيات الأعيان : 6 / 173 . « 4 » سورة الأنعام : الآية 85 . « 5 » الأبيات مع ترجمة حيص بيص : 2 / 365 .