المامقاني
481
غاية الآمال ( ط . ق )
هذا مضافا إلى انّه لا يتم على ظاهر ما يترائى من كلام العلَّامة الطباطبائي ( رحمه الله ) في المصابيح من كون النزاع من حيث التعبد والوظيفة الشرعية كما يقتضيه تعليل وقوع النزاع باختلاف النّصوص وعن الثالث بان مجرّد كونه بصفة المدفوع إليهم لا يقتضي اشتراكه معهم في أذن الموكل في أخذ شيء من المال والمفروض عدم تحققه على ما هو محلّ البحث من كون لفظه ( مطلقا ) لا يتأتى منه الدلالة على شيء من طرفي الجواز وعدمه والحاصل انه لا بد في التصرّف في مال الغير من إحراز رضاه بذلك ومجرّد كونه بصفتهم غير مستلزم له لاحتمال تعلَّق غرضه بمن عدا الوكيل من جهة كونه وجيها متمكنا من الاستقراض فلا يؤدى حاله إلى الاضطرار بخلاف من عداه فإنهم غير وجهين ولا متمكنين من الاستقراض فهم مضطرون وعن الرابع بان كون الوكيل مثل الموكل مسلم الا ان مقدار المماثلة تابع لمدلول لفظ الموكل ومفروض البحث عدم العلم بمراد الموكل من حيث إطلاقه وعدم اقترانه بشيء من القرائن المرجحة لأحد الطرفين وعن الخامس وهي الأخبار بوجوه أحدها ان رواية سعد بن يسار موثقة ورواية الحسين بن عثمان حسنة فليستا بصحيحتين ومع ذلك فهما مطلقتان يمكن تقييدهما بما في الصّحيح الدّال على المنع الذي سنذكره من اعتبار الأذن وامّا ما عبّر عنه بصحيحة عبد الرحمن ففي صحّته كلام باعتبار ما فيه من محمّد بن عيسى عن يونس وفيه بحث مشهور ثانيها ما ذكره بعض المعاصرين من انّه لعلّ الظاهر منها انّما هو صورة العلم أو الظن المعتبر بالدّخول والأذن له ولو بالقرائن الخارجية القاضية بإلقاء الخصوصية وان الغرض إبراء الذّمة على الوجه الشرعي على أي وجه كان أو ان المدفوع إليه قد قبضها من أهلها فخرجت عن سلطنة الدافع بقبضه كما في المجتهد ونحوه انتهى ثالثها ما اعتمد عليه بعض من تأخر في رد هذه الأخبار وهو انها ممّا لا مجال للتمسّك بها من جهة انها مخالفة للقاعدة القطعيّة المعلومة من الشرع وذلك لأنها لو حملت على بيان الحكم التعبدي الشرعي لزم ان يحكم الشارع بإباحة مال الغير من دون رضاه وهو مما علم من الشرع خلافه ووجه اللزوم هو ان المفروض كون كلامه ( مطلقا ) لا يظهر منه الدّلالة على رضاه كما أن المفروض عدم دلالته على عدم رضاه ( أيضا ) وعلى هذا فلا يتحقق رضاه فيلزم ما ذكر نعم بعد حكمه بخروج المال عن ملك صاحبه لا مانع من حكمه بإباحته للغير فالحاصل ان المال ما دام باقيا على ملك صاحبه لا يصحّ للشارع ان يحكم بإباحته لغيره بل ذلك مما يمنع منه العقل فهو محال لان معنى كونه ملكا لأحد انّما هو اختصاصه به وانتفاء سلطنة غيره عنه فإباحته لغيره تقتضي انتفاء ذلك الاختصاص والسّلطنة الثابتة له وهذا خلف وحمل الاخبار على كونها كاشفة عن رضا المتكلم بالأخذ ودخوله في نظره واضح الفساد لان المتكلَّم ليس شخصا واحدا حتى يخبر الشارع عن حاله بتحقق الرّضا منه ضرورة ان السؤال انّما هو عن النوع وان أفراد النوع مختلفة فكما يتفق فيهم من يرضى بالأخذ ويقصد دخول الوكيل في العنوان كذلك يتّفق فيما ( صح ) من لا يرضى بالأخذ ولا بقصد دخوله في العنوان ومثله حملها على أن الغالب في المتكلمين هو القصد إلى دخول المخاطب في العنوان وذلك لان الحكم في غير الغالب بجواز الأخذ مع عدم رضى المالك من جهة ان أشخاصا أخر راضون عند توكيلهم بالأخذ وقاصدون إلى دخول المخاطب في العنوان يستلزم المحذور المذكور وهو ترخيص الشارع في أخذ مال المالك باقيا على ملكه من دون رضاه ويؤيد ما ذكرناه انّهم ذكروا انّه لو وكل إنسانا في بيع ماله من طائفة متّصفة بوصف عنواني يصدق على المخاطب لم يخبر ان يبيعه من نفسه وكذا قالوا فيما لو وكلته في تزويجها ( مطلقا ) أو على وجه العموم كقولها زوجني من شئت لم يخبر ان يزوجها من نفسه وإذ قد عرفت ذلك قلنا لا بدّ من حمل الأخبار المذكورة على أن المفهوم في ذلك الزمان من الأذن في إعطاء عنوان كان هو الدّخول على خلاف زماننا فالأزمنة مختلفة في ذلك وقد أشار إلى حاصل ما ذكر مع الحمل المذكور صاحب الجواهر ( رحمه الله ) في طي تقرير كلام المانعين وحججهم بقوله ودعوى كون المراد من النصوص السّابقة ثبوت الإذن الشرعيّة دون المالكية واضحة الفساد بل لعلّ الخصم لا يرتضيه وأولى منها ( حينئذ ) دعوى حملها على اختلاف العرف مع عرف هذا الزمان انتهى أو حملها على صورة انفهام الأذن والرّضا من المالك بل نقول انّ صحيحة عبد الرّحمن الآتية مقيّدة لها بصورة الأذن وكأنّه إلى هذا نظر من فصل بين مثل قوله ضعه في الفقراء وبين مثل قوله ادفعه إلى الفقراء بجواز الأخذ في الأوّل دون الثاني لأن الدّفع انّما يتحقق مفهومه بالنظر إلى الغير وذلك لان ما جوّز فيه الأخذ من مثل ضعه في الفقراء انّما هو عين ما سئل عنه السّائل في بعض اخبار المسئلة ومرادفه في بعضها الأخر هذا تفصيل ما ذكره ذلك البعض مستندا إليه في القول بالتحريم مضافا إلى بعض ما تقدم من حجج ذلك القول ولكن الحق عندي هو جواز أخذه بحكم الأخبار المذكورة وان الحكم تعبدي شرعي لا عرفي وبعبارة أخرى الجواز مبنى على ترخيص الشارع دون المالك وان ما ذكر للقول بالجواز قبل الاخبار مما لا نعول عليه واما هي فما قيل في الطعن عليها مدفوع وامّا ما قيل في كون رواية سعيد بن يسار موثقة وكون رواية الحسين بن عثمان حسنة فلإنّه مع قطع النظر عن كون الأولى صحيحة عند بعضهم لا يهمنا إثبات صحتها لأن الموثقة حجة وكذلك الثانية فإنها ( أيضا ) ممّا حكم بعضهم بصحتها مع انّ كونها حسنة يكفى خصوصا مع كون سبب الحسن وجود إبراهيم بن هاشم في السند فان السّكوت عن بيان حاله انّما هو من جهة وضوح جلالة شانه واما ما قيل من كونهما مطلقتين فتقيدان بما دلّ على اعتبار الأذن من رواية المنع فلان سياق الأولى يدلّ على صورة التردّد وعدم العلم بالإذن والا لم يكن مورد الشك للراوي على وجه يلجئه إلى السؤال وان الثانية قد وقع التقييد فيها بقوله وان لم يسم له وهو ظاهر في عدم الأذن ووقوع التردّد فليستا قابلتين للتقييد وامّا ما قيل من عدم اعتبار صحيحة عبد الرّحمن من جهة محمّد بن عيسى عن يونس فلان مدركه انّما هو ما عن ابن الوليد انّه قال ما تفرّد به محمّد بن عيسى عن كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه وهو مع كونه ممّا نقل عن جماعة الإنكار عليه وانهم وثّقوه والمعدّل مقدّم على الجارح لا يدلّ على القدح في نفس محمّد بن عيسى والا لم يكن وجه لذكر القيود المذكورة في كلامه وكان يكفيه ان يقول إن محمّد بن عيسى غير معتمد عليه والسر في التعبير المذكور ما نقله في التعليقة عن جده ان تضعيف ابن الوليد مبنى على اعتقاده انّه يعتبر في الإجازة ان يقرء على الشيخ أو يقرء الشيخ عليه ويكون السامع فاهما لما يرويه وكان لا يعتبر الإجازة المشهورة بأن يقال أجزت لك ان تروى وكان محمّد صغير السّن ولا يعتمدون على فهمه عند القراءة ولا على إجازة يونس له وزاد بعضهم ان المعدّل جماعة ومنهم ابن نوح وعبائرهم صريحة وكلام الجارح كما رأيته يعطي عدم التأمل في شأنه نفسه ولا بدّ من حمل عبارته المطلقة على المقيّدة وأقول الأظهر ان يقال لا بد من أن يجمع بين العبارة الظاهرة في عدم القدح في شأنه نفسه وبين ما دلّ على توثيقه ومعلوم ان ما هو سبب القدح عند ابن الوليد كما عرفت ليس بقادح وبعد ذلك كله لا يهمنا إثبات صحة رواية عبد الرّحمن بل يحصل لنا من ملاحظة جميع الأخبار الناطقة بالجواز الوثوق بصدورها