المامقاني

250

غاية الآمال ( ط . ق )

التشاجر لا يليق بشأن العلماء الأعلام مضافا إلى أن البحث عن أن القبول بوصف انه قبول هل يمكن تقدّمه عليه أم لا ليس من مباحث الفقهاء لكون حكمه الإمكان وعدمه العقليّين والذي يعود إلى المسئلة الفقهيّة هو انّ ما يؤتى به للقبول هل يصحّ ان يتقدّم على الإيجاب وينعقد به العقد أم لا فان هذا هو الَّذي يصير بحثا عن فعل المكلَّف الذي هو العقد وكذا ما ذكره ذلك البعض من أن الإيجاب عبارة عن النقل والإعطاء لما عرفت من أن الإيجاب عبارة عن الإثبات والإيقاع ثم إن بعض المعاصرين بعد ان نفى الفرق بين ألفاظ القبول على القول باشتراط تقديم الإيجاب عليه ذكر انه على القول بعدم الاشتراط ( أيضا ) قد ( يقال ) انه ( كذلك ) وذكر ما قلنا إنه كلام العلامة الطباطبائي ( قدس سره ) ثم قال وفي شرح ( القواعد ) انه لا فرق بين الجميع وان كان المنع من قبلت أظهر فتدبر ولكن عن نهاية الأحكام وكشف اللثام والميسية و ( المسالك ) و ( الروضة ) ومجمع البرهان وغيرها المنع من تقديم قبلت ورضيت بل ربما قيل بأنه لا معنى له مع التقديم وعن كثير منها انه لا نزاع فيه وانما النّزاع فيما إذا قال المشترى اتبعت واشتريت وملكت ونحوها بل عن ( ظاهر ) كره الإجماع عليه في النكاح مع عدم الفرق بينه وبين باقي العقود وقد يستدل عليه مع ذلك بأنّه خلاف المتعارف من العقد وبأنه هو الفرع والمضاف والتابع للإيجاب فلا يعقل تقدمه عليه وذلك لان القبول الذي هو أحد ركني العقد ليس المراد منه مجرد الرضا بالإيجاب حتى ( يقال ) بان الرّضا بشيء لا يستلزم تحقق فعله فقد يرضى الإنسان بالأمر المستقبل بل المراد منه الرضا بالإيجاب على وجه يتضمن إنشاء نقله ماله في الحال إلى الموجب على وجه العوضية لأن المشتري ناقل كالبائع وهذا لا يتحقق الا مع تأخّر الرضا عن الإيجاب إذ مع تقدّمه لا يتحقق النقل في الحال فانّ من رضى بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل لم ينقل في الحال ماله إلى الموجب بخلاف من رضي بالمعاوضة الَّتي أنشأها الموجب سابقا فإنه يرفع بهذا الرّضا يده عن ماله وينقله إلى غيره على وجه العوضيّة وفيه ان تقديمه بإشتريت ونحوها خلاف المتعارف أيضا فلا جهة للفرق بينهما بذلك كما أن لفظة اشتريت مثلا انما تكون قبولا لدلالتها على معنى قبلت والا فهي صالحة للإيجاب ( أيضا ) ولذا قيل كما عن مجمع البرهان وغيره انه يصير المشترى موجبا والبائع قابلا الا انه خارج عن محل البحث إذ هو في تقديم القبول حقيقة على الإيجاب حقيقة لا في جعل المشترى موجبا والبائع قابلا فإنه مما لا مساغ لإنكاره ومن المعلوم ان الحروف مما لا دخل لها في المنع وانما المانع هو المعنى المشترك بين الجميع فالفرق بينها وبين غيرها لا ( يخلو ) عن تحكم كدعوى انها غير صالحة لإنشاء تملك المثمن بالثّمن فلا يصحّ تقديمها عليه بخلاف اشتريت مثلا فإنها صالحة لذلك فيصحّ تقديمها عليه فتكون قبولا لتضمّنها لمعناها في الجملة أو لمشابهتها لها وان لم يكن فيها معناها أصلا ورأسا لأنها مرادفة لها ودالة على تمام معناها المستلزم لعدم صحّة تقديمها كقبلت مع أنها ان تمّت لزم منها عدم كون تقديم اشتريت من محل النّزاع وكانت قريبة من مقالة المقدس ( رحمه الله ) ان لم تكن هي هي إذ لا يخفى ان النزاع انما هو في جواز تقديم القبول حقيقة وعدمه لا في جواز تقديم اشتريت التي هي من الألفاظ القبول عندهم مع إخراجها عن القبول وجعلها إيجابا أو قريبة من الإيجاب بأن يراد بها إنشاء ملكية مال صاحبه لنفسه بإزاء ماله الَّذي به يصير مشتريا بخلاف البائع فإنه ينشأ ملكية ماله لصاحبه بإزاء مال صاحبه ففي الحقيقة هما سواء في إنشاء المعاوضة بل قد ( يقال ) بأنه لا إشكال ( حينئذ ) في الجواز واحتمال لفظية النزاع بان يريد المانع صورة قصد القبول منها خاصة ويريد المجير صورة عدم قصده بعيد جدا ان لم يقطع بعدمه بل ( الظاهر ) ان النّزاع انّما هو مع قصد القبول منها مع احتمال كونه مع عدمه ( أيضا ) الَّا انّه بعيد جدا هذا وقد يشكل الجواز مع عدمه بالإجماع على اعتبار القبول في العقد ولا قبول مع التقديم باعتراف الخصم ودفعه بأنّ المسلم من الإجماع انما هو اعتبار القبول من المشترى بالمعنى الشامل للرضا بالإيجاب وامّا وجوب تحقق مفهوم القبول المتضمّن للمطاوعة وقبول الأثر فلا مدفوع بان لا مجال لإنكار كونه على اعتبار القبول الحقيقي فإن كان ذلك المعنى العام هو الحقيقي فلا بأس بتأديته بقبلت أيضا وان لم يكن هو المعنى الحقيقي فلا دليل على كفايته ان لم تدع الإجماع على عدمها ( فتأمل ) جيدا انتهى ولا يخفى ما فيها من مواقع النظر اما الأوّل فهو ما ذكره من كون تقديم اشتريت مثل تقديم قبلت في كون الجميع خلاف المتعارف وقد تقدم تفصيله فلا نعيد وامّا الثاني فهو ما ذكره من أن محل النزاع انّما هو تقديم القبول حقيقة على الإيجاب حقيقة لا جعل المشترى موجبا باعتبار من الاعتبارات وجعل البائع قابلا ( كذلك ) وبنى عليه وجوها من الإيراد على ( المصنف ) ( رحمه الله ) لأنك قد عرفت ان القبول حقيقة ليس الا ما لحق الإيجاب وكان مطاوعة له ضرورة ان الكلام انما هو في قبول العقد الَّذي هو ركن فيه وهذا ممّا لا يعقل تقدّمه وليس قابلا لان يتنازع فيه أعيان الفقهاء قديما وحديثا ومن الغريب افحام قوله ومن المعلوم ان الحروف ممّا لا دخل لها ضرورة انه لم يتوهم أحد ان الفرق بذلك الاعتبار ولا أشعر به قول ( المصنف ) ( رحمه الله ) ولا وقع في كلامه ما هو مبنى عليه وانما ذكر ( المصنف ) الفرق بحسب المعنى كما عرفت وأغرب منه انه ادعى ان المانع من التقديم هو المشترك بين جميع ألفاظ القبول وفرع عليه ان الفرق بين قبلت وغيره تحكم فليت شعري كيف لا يكون دعواه ان المانع من التقديم هو المشترك بين الجميع تحكما ويكون تفرقة ( المصنف ) ( رحمه الله ) وفاقا لجماعة من الأعيان تحكما مع اعترافه بأن أكثرهم قالوا إن محل النّزاع انّما هو غير قبلت وهو يدلّ على أن المانع ليس هو المشترك وان بحثهم من تقديم ما يقع قبولا في العقد بحسب متعارف أهل العرف وان كان المانع اشتمالها كلا أو بعضها على معنى مانع غير معنى القبول فالقبول جامع بينها في العنوان لا انّه علَّة للحكم والا فالقبول الَّذي هو المعتبر في العقد ركنا عندهم لا يعقل تقديمه ولا أقل من قيام هذا الاحتمال المؤيد بعدم قابلية القبول بوصف كونه قبولا للتقديم عقلا فيكون دعواه ان محل البحث انما هو عنوان القبول تحكما ضرورة انه ليس بأولى ممّا ذكرناه من الاحتمال وامّا الثالث فهو انّه جعل من قبيل التحكم ما أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) من أن لفظة قبلت غير صالحة لإنشاء تملك المثمن بالثمن فلا يصحّ تقديمها عليه بخلاف اشتريت وذلك لان ما أفاده لا يتوقف الَّا على مجرّد التنبيه إلى أن مجرّد الالتفات إلى مفاهيم الألفاظ الجارية في القبول يكفي في الإرشاد إلى الفرق بينهما بما ذكره وامّا الرابع فهو انه فرّع على الفرق الَّذي أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) على تقدير تمامه أن يكون تقديم اشتريت خارجا عن محلّ النّزاع وذلك لان مجرّد قيام دليل على مطلب نظري