المامقاني
174
غاية الآمال ( ط . ق )
يتوهم من بعض العبارات وانما مرادهم عقد أو نقل أو انتقال مخصوص مباين لسائر العقود حتى الصّلح الَّذي قد يقوم مقامه عندهم هذا وهو في محلَّه لكن لا يتجه الا على تقدير كون مراده عدم وقوع البيع بلفظ نقلت مجرّدا عما يجعله مساويا للبيع من القيود وان كان مراده عدم وقوعه به حتى لو ضم إليه من القيود ما يجعله مساويا له قلنا ذلك لا يقدح في صحّة التّعريف إذ لا يشترط في التعريف أزيد من مساواته للمعرّف ويبتني صحّة إيقاع الصّيغة به وعدم صحّته على أن المعيار في الصراحة والكناية هو كون اللَّفظ بنفسه صريحا وعدمه أو كون اللَّفظ صريحا ( مطلقا ) ولو كان صراحته باعتبار ضمّ قيود إلى اللَّفظ تجعله نصّا في معنى العقد الَّذي يراد إيقاعه وسيتضح لك تفصيل المقال في محلَّه قوله ( رحمه الله ) لأنه ان أريد بالصّيغة خصوص بعت لزم الدور لان المقصود معرفة مادة بعت لا يخفى انه على هذا التقدير لا يلزم الدّور لان المعرف انما هو معنى البيع والمأخوذ في التعريف أعني بعت عبارة عن اللَّفظ فالموقوف هو المعنى والموقوف عليه هو اللَّفظ الا ترى انه لو قيل البيع نقل العين بلفظ بعت لم يلزم دور لكن بعد العلم إجمالا بأن جملة من الألفاظ تفيد معنى النّقل وان من جملتها لفظ بعت وهذا العلم الإجمالي حاصل لكل من له أهلية مراجعة الكتب الفقهيّة بل يمكن ان ( يقال ) لا حاجة في اندفاع الدّور إلى هذا العلم الإجمالي لأن التّعريف على الوجه الَّذي ذكرنا يفيد العلم بان لفظ بعت للنقل قوله ( رحمه الله ) وان أريد بها ما يشمل ملكت وجب الاقتصار على مجرّد التّمليك والنقل يعنى انّه لو أراد ما يشمل ملكت كان اللازم عليه ان يقتصر في التعريف على مجرد التّمليك أو النقل ولا يقيّد بقوله بالصيغة المخصوصة قوله فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال اعلم أن العلامة الطباطبائي ( قدس سره ) قال في المصابيح ان الأخصر والأسد تعريفه بأنه إنشاء تمليك العين بعوض على وجه التراضي ولما رأى ( المصنف ) ( رحمه الله ) انّ العوض أعم من المال لأنه يشمل ما لا يصدق عليه المال مثل جملة من الحقوق كحق السّلام وحق الحضانة وحق ولاية الأب والجدّ على الصّغير وتمليك العين في مقابل أمثالها لا يصير بيعا لاعتبار بعض أهل اللَّغة كون العوض مالا مع سكوت الباقين وان التقييد بقوله على وجه التراضي يخرج بيع المكره مع أنه بيع بل منه ما هو بيع صحيح كما لو أكرهه الحاكم في موارد جواز إكراهه فلذلك أبدل العوض بالمال وأسقط قيد التراضي فعرّفه بما ترى ومع ذلك أورد عليه بوجهين أحدهما ان اعتبار الإنشاء في التعريف لا وجه له لأن شيئا من تصاريفه المشتقة منه مثل باع وبايع وغيرهما لم يؤخذ في مفهومه الإنشاء والأصل توافق المشتق والمشتق منه بل نقول إن من المعلوم ضرورة عدم اعتبار الإنشاء في مفهوم لفظ البيع ان أريد بيان المعنى المصدري أقول الأولى تقرير الاعتراض على عكس ما ذكر بان ( يقال ) ان الإنشاء مأخوذ في مفهوم البيع وما تصرّف منه ضرورة ان الاخبار عن البيع لا يصحّ ان يسمّى بيعا وكذا من أخبر عن البيع بقوله بعت أمس لا يصحّ ان يحكم عليه بأنه باع نظر إلى حال تكلمه الذي هو حال الاخبار عن البيع وعلى هذا فمعنى البيع إنشاء البيع ومعنى البائع منشئ البيع وهكذا لكن التّمليك الَّذي ذكر في التعريف جنسا حاله حال البيع فلا يسمّى الاخبار عن التّمليك تمليكا فالإنشاء مأخوذ في مفهومه أيضا فيصير ذكره في اللَّفظ مضافا إلى لفظ التّمليك مستدركا وثانيهما ان العوض غير مأخوذ في مفهوم البيع وضعا فيصحّ الاخبار بالبيع عمن قال بعت هذه الدار مثلا بدون ذكر العوض والوجه في ذلك واضح فإنّه اسم لما هو أعمّ من الصّحيح والفاسد ولذلك تريهم يذكرون مسئلة البيع بلا ثمن ويختلفون في حكمه فلو لم يكن بيعا لم يكن لذلك وجه قوله ( قدس سره ) نظير تملَّك ما هو مساو لما في ذمته وسقوطه بالتهاتر توضيحه انه إذا كان في ذمّة عمرو من من طعام مثلا لزيد فاشترى من زيد منّا من طعام مساو لذلك الطعام في الجنس والوصف من دون زيادة ونقيصة ولم يقبضه فإنّه يملكه بالشّراء ويخرج عن ملكه بدلا عن الدّين الَّذي في ذمّته قوله إذ ليس للبيع لغة وعرفا معنى غير المبادلة والنقل والتمليك وما يساويها من الألفاظ يستفاد منه انه ( رحمه الله ) فهم من عبارة المصباح معنى النّقل قوله ولذا لا يجرى فيه ربا المعاوضة قال في ( الشرائع ) وهو يعنى الرّبا يثبت في البيع مع وصفين الجنسيّة والكيل أو الوزن وفي الفرض مع اشتراط النّفع انتهى وأراد ( المصنف ) ( قدس سره ) بهذا الكلام انه لا يجرى فيه ربا المعاوضة وانما يجرى فيه الربا للمختصّ به والَّا فمجرّد عدم جريان ربا المعاوضة فيه لا يدلّ على عدم كونه معاوضة لإمكان أن يكون ربا المعاوضة من قبيل الخواص الغير الشاملة لجميع افراد ما هو خاصّة له ويكون عدم جريانه في القرض باعتبار ان العوضين ليسا حاضرين ولا مذكورين في اللفظ وقد جعل أصل وضعه على ثبوت ما يساويه في مقابله فلذلك لا يتحقق فيه ربا المعاوضة المنوط بمجرّد كون أحدهما مشتملا على الفضل والوجه في عدم جريان ربا المعاوضة فيه وجريان القسم الأخر فيه هو انه يشترط في الأول مضافا إلى لزوم كون العوضين من جنس واحد كونهما من قبيل المكيل أو الموزون ولا اشترط في الثاني كون مال القرض وما يعوض عنه من قبيل المكيل أو الموزون وانما يعتبر فيه اشتراط النّفع قوله ولا الغرر المنفي فيها يعنى لا يجري في القرض الغرر المنفي في المعاوضة توضيح ذلك ان الغرر عبارة عن الخطر ولهذا يستدلون بقوله ( عليه السلام ) نهى النّبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن بيع الغرر على اشتراط العلم بالمبيع والعلم بالثّمن وكون المبيع مقدور التّسليم ولا بد من أن يكون مراده ( رحمه الله ) بعدم جريان الغرر عدم قدح جهالة المال المقرض والا فوضع القرض على تمليك عين حاضرة ودخول العلم بالثمن مستلزم للتكرار في كلامه لأنه ذكره بعد الغرر و ( حينئذ ) فيكون مقصوده ( رحمه الله ) هو انه لا يشترط العلم بالمال الَّذي يقرضه فلو قبض قبضة من الدّراهم وأقرضها من دون وزن ولا عدّ صحّ أصل القرض غاية ما هناك انه يلزم المقترض ان يعرف القدر بعد ذلك ليمكن له أداؤه وذلك لا دخل له بأصل صحّة القرض وكذا لو أقرض مقدارا من الطعام من دون كيل ولا وزن أو بوزن غير معلوم كصبخة مجهولة المقدار غاية الأمر أنه يعتبرها المقترض بعد ذلك ليمكن له الأداء أو يحفظه هو أو المقرض ليؤدّي العوض بها ومع انتفاء الأمرين يتصالحان وذلك لا يراحم أصل صحّة القرض هذا ولكن يبقى الكلام في صحّة ما استفيد من عبارته وسقمه فنقول قد حكم جماعة بعدم صحّة قرض المال المجهول فعن الشيخ ( قدس سره ) في ( المبسوط ) أنه قال لا يجوز إقراض ما لا يضبط بالصّفة وقال العّلامة ( رحمه الله ) في ( التذكرة ) في أخر مسئلة الرّكن الثاني من أركان القرض يجب في المال أن يكون معلوم