المامقاني

235

غاية الآمال ( ط . ق )

ومتعلَّقه ولا بعد في هذه الدّعوى فإنه قد وقع في كلام الشّهيد الثاني ( قدس سره ) في تمهيد القواعد ما يؤيدها لكونه أعظم منها قال في القاعدة الأولى من القسم الثاني من الكتاب المذكور انه لا يشترط في الكلام صدوره من ناطق واحد وبين ذلك بان صورته أن يتواطأ مثلا شخصان على أن يقول أحدهما زيد ويقول الأخر قائم ومن فروعها الشرعيّة ما إذا كان له وكيلان بإعتاق عبد أو بيعه أو غير ذلك فاتفقا على أن يقول أحدهما مثلا هذا ويقول الثاني حر ومقتضى القاعدة صحة ذلك لكن لم أقف فيه على كلام لأحد نفيا ولا إثباتا ومنها ما إذا قال لي عليك الف فقال المدعى عليه الا عشرة أو غير عشرة أو نحو ذلك فهل يكون مقرا بباقي الألف وجهان من ظاهر القاعدة ومن انه لم يوجد منه الا نفى بعض ما قاله خصمه ونفى الشيء لا يدل على ثبوت غيره وهذا أقوى انتهى والمقصود من ذكره التقريب والا فاصل القاعدة عندنا غير ثابت لم يقم عليها دليل ثم على تقدير ثبوتها فما ذكره في الفرع الثاني من أنه لم يوجد من المدعى عليه الا نفى بعض ما قاله خصمه ونفى الشيء لا يدلّ على ثبوت غيره مما لا وجه له لأن أداة الاستثناء مع ما يليها ليست من الألفاظ الَّتي تستقل بإفادة النفي بل لا بد في الإفادة من الاتصال بما قبلها فمع فرض دلالتها على النفي لا بدّ من الالتزام فيها بالاتصال بما قبلها و ( حينئذ ) فلا وجه لدعوى مجرّد نفى شيء من غير ثبوته فتدبر ويؤيد ما ذكرناه أيضا ان العلماء يعتبرون ما يصلح صارفا إذا وقع في كل من كلامي السائل والمسؤول في الاخبار قرينة على الأخر هذا ان قلنا بالثاني وان قلنا بالأول اما ( مطلقا ) أو في خصوص الإيجاب والقبول المعتبرين في العقود لم يصحّ انعقاد القبول بلفظة الإمضاء وأخواتها قوله ( رحمه الله ) المحكي عن جماعة منهم السّيد عميد الدين ( رحمه الله ) والفاصل المقداد والمحقق والشّهيد الثانيان اعتبار العربيّة في العقد يعنى عقد البيع اعلم أن عقد البيع مساو لسائر العقود اللازمة مما عدا عقد النكاح فان ( الظاهر ) ان من اعتبر العربيّة فيه اعتبرها فيها جميعا ولذلك قال المحقق الثاني ( قدس سره ) في ( جامع المقاصد ) في شرح قول العلَّامة ( قدس سره ) ولا بدّ من صيغة الماضي انه يشترط وقوعهما يعني الإيجاب والقبول بالعربيّة مراعى فيهما أحكام الاعراب والبناء وكذا في كل عقد لازم انتهى و ( كذلك ) الشّهيد الثاني ( قدس سره ) في كتاب البيع من ( الروضة ) وان اعتبر العربية في العقد ولم يتعرض لحال سائر العقود الأزمة نفيا ولا إثباتا لكنه في كتاب النكاح اعتبر العربيّة في عقده مشبها له بغيره من العقود اللَّازمة وامّا عقد النّكاح ( فالظاهر ) وجود الفرق بينه وبين سائر العقود بكونه أقوى منها لكونه متعلقا بأمر الفروج الذي هو محل الاحتياط واهتمام ( الشارع ) يكون الاقدام عليه على وجه معلوم المشروعية فاعتبار العربيّة فيه لا يستلزم اعتبارها فيها أيضا ولهذا ترى جماعة من أعاظم فقهائنا ( رضي الله عنه ) منهم الشّيخ في ( المبسوط ) والمحقق في ( الشرائع ) والعلامة في ( القواعد ) و ( التذكرة ) سكتوا عن اشتراط العربيّة في عقد البيع واعتبروها في عقد النّكاح وصرح الشهيد الثاني في ( الروضة ) بكون النكاح أولى من غيرها قال ولا يجوز العقد إيجابا وقبولا بغير العربية مع القدرة عليها لان ذلك هو المعهود من صاحب الشرع كغيره من العقود اللازمة بل أولى وينبغي تحرير البحث في مقامين الأوّل في عقد النكاح قال الشّيخ في كتاب النكاح من ( المبسوط ) هذا إذا عقدا بالعربية فإن عقدا بالفارسيّة فإن كان مع القدرة على العربيّة فلا ينعقد بلا خلاف وان كان مع العجز فعلى وجهين أحدهما يصح وهو الأقوى والثاني لا يصح فمن قال لا يصح قال يوكل من يقبلها عنه أو يتعلمها ومن قال يصح لم يلزمه التعلم وإذا أخيّر بالفارسيّة احتاج إلى لفظ يفيد مفاد العربيّة على وجه لا يخل بشيء منه فيقول الولي اين زنرا بتو دادم بزنى ومعناه هذا المرأة زوجتكها ويقول الزوج پذيرفتم يعنى قبلت هذا النكاح انتهى وقال العلامة ( قدس سره ) في ( التذكرة ) في كتاب النكاح لا ينعقد الا بلفظ العربيّة مع القدرة فلو تلفظ بأحد اللفظين بالفارسيّة أو غيرها من اللغات غير العربيّة مع تمكنه ومعرفته بالعربية لم ينعقد عند علمائنا إلى أن قال واما إذا لم يحسن العربيّة فإن أمكنه التعلم وجب والَّا عقد بغير العربي للضّرورة انتهى وفي ( الشرائع ) ولا يجوز العدول عن هذين اللفظين إلى ترجمتهما بغير العربيّة إلا مع العجز عن العربيّة وفي حاشية المحقّق الثاني عليها لا ريب في اعتبار وقوع عقد النكاح بالعربيّة فيبطل لو وقع بغيرها والمراد بالعربي ما يكون لفظه باعتبار مادته وصورته ولو غير بنية الكلمة أو لحن في إعرابها لم ينعقد مع القدرة على العربي كما لو أتى بالترجمة مع العلم بلسان العرب اما لو لم يكن عالما بذلك ولم يمكنه التعلم أو أمكنه بمشقة العادة فإنه يكفيه الإيقاع بمقدوره وان تمكن من التوكيل وكذا كل موضع يعتبر فيه اللَّفظ العربي انتهى وفي ( القواعد ) ولا يصحّ بغير العربيّة مع القدرة ويجوز مع العجز وقال المحقق الثاني في شرح هذه العبارة فلا ينعقد النكاح وغيره من العقود اللَّازمة بغيره من اللغات كالفارسيّة مع معرفة العاقد وتمكنه من النّطق ذهب إلى ذلك أكثر الأصحاب وقال ابن حمزة ( رحمه الله ) ان قدر المتعاقدان على القبول والإيجاب بالعربيّة عقدا بها استحبابا والا صحّ الأوّل انتهى وتوضيح الحال ان المسئلة تتصور على صور ثلث إحديها أن يكون المباشر للعقد عالما بالصّيغة العربيّة فعلا متمكنا من إجرائها كالفقيه العالم باللغة العربيّة ومواقعها أو العربي الفصيح الذي لا مانع له من إجرائها على طبق قواعدها الثانية أن يكون عاجزا عنها فعلا لكن يكون متمكنا من التعلم المتيسر عليه حال الحاجة إليها أو متمكنا من التوكيل الثالثة أن يكون مع عجزه عنها بالفعل عاجزا عن التعلم والتوكيل أيضا امّا الصّورة الأخيرة فلا اشكال ولا خلاف في صحة العقد فيها بغير العربية ولا يكون منهيا عن إيقاع العقد ومأمورا بترك التزوج وحكم هذه الصّورة هو القدر المتيقن ممّا ذكروه من أن العاجز عن العربيّة يعقد بغيرها ومثلها ما لو لم يكن متمكنا من التعلم وحده فلا يجب عليه التوكيل مع تيسّره بل يعقد بمقدوره لأصالة البراءة من وجوب التوكيل والى هذا أشار العلامة بقوله في العبارة المذكورة واما إذا لم يحسن العربيّة فإن أمكنه التعلم وجب والا عقد بغير العربي للضّرورة انتهى حيث حكم بالعقد بغير العربي على تقدير عدم التمكن من التعلم وصرّح به المحقق الثاني في ذيل حاشية ( الشرائع ) المتقدم ذكرها وامّا الصّورة الثانية فمقتضى كلام الشيخ الذي حكيناه عن ( المبسوط ) هو وقوع الخلاف فيها لأنه قال وان كان مع العجز فعلى وجهين وجعل أحدهما الصحّة وقواها وجعل الثاني عدم صحّة العقد بغير العربيّة ثم قال فمن قال لا يصح قال يوكل من يقبلها عنه أو يتعلمها فان كلامه هذا كشف عن وجود القائل وان المراد بالوجهين في كلامه القولان وكشف أيضا عن أن المراد بالعجز المفروض في كلامه انما هو العجز فعلا دون العجز رأسا إلى أخر أمره