المامقاني
228
غاية الآمال ( ط . ق )
يعتبر كون ألفاظ العقود اللازمة من قبيل الحقيقة كما أشار إليها بقوله الا ان يراد باعتبار الحقائق وما ذكره المحقق الثاني ( رحمه الله ) لا ينطبق على العبارة الثانية الا بان يراد بالحقيقة ما هو أعم منها ومن المجاز القريب وهو تكلف بعيد بخلاف ما ذكره ( المصنف ) ( قدس سره ) من وجه الجمع فان مقتضاه التوسعة في اعتبار الحقيقة بمعنى كون الدلالة مستندة إلى الحقيقة سواء كانت هي المفيدة لمضمون العقد ابتداء بان يقع الإنشاء به أم كانت ممّا يستند إليه دلالة اللَّفظ الَّذي وقع به الإنشاء غاية ما ( يقال ) ان فيه نوع تسامح فنقول بعد تسليمه انه تسامح يساعد عليه مواقع الألفاظ من دون استهجان فيه فلا ضير هذا وما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) قد أورد عليه بعض من تأخر أولا بان ما ذكره ( رحمه الله ) لو كان من مقاصدهم لصرّحوا به أو أشاروا إليه ولم يقل أحد بأنّ المناط عندنا هو استناد الدلالة إلى الوضع بمعنى انه لو كان اللَّفظ مجازيا قرينته لفظ دال بالوضع كفى بل صرّح بعض الأساطين ( قدس سره ) بخلافه حيث حكم بان مثل نقلت بالبيع وملكت بالبيع لا ينعقد به الصّيغة و ( المصنف ) ( رحمه الله ) وان كان يرى أن التمليك حقيقة في البيع فيصح عنده عقد البيع به بهذا الاعتبار حتى لو لم يعتبر هذه القاعدة التي عليها الكلام هنا الا ان ذلك البعض يرى كون التمليك أعم من البيع فيقول انه مع تقيده بقرينة لفظية هو حقيقة في المعاملة الخاصة التي هي البيع لا ينعقد به عقده وثانيا بان ما استشهد به ( المصنف ) ( رحمه الله ) من عبارات الأصحاب مثل ما دل على أنه يجوز عقد البيع بلفظ السّلف يعطي ان استعمال اللَّفظ المجازي جائز ضرورة أن السّلف موضوع لنوع خاص وان استعماله في البيع الحال المغاير له مجاز مع أنهم لم يشترطوا وجود القرينة اللفظية بل كلامهم أعمّ منها ومن القرائن الحالية والعقلية وقد نسب إلى الأكثر جواز عقد البيع بلفظ السّلم ( مطلقا ) وان كانت قرينته حالية بل ما يذكرونه من الصّيغ في الرّسائل الموضوعة لبيان صيغ العقود أو الكتب الفقهيّة ليس مقرونا بقرينة لفظية وانما اكتفوا بدلالة المقام وثالثا بانا ترى ان ما يعتبرونه من الصّراحة في العقود انّما يعتبرونه في اللَّفظ الَّذي يقع به الإنشاء دون متعلقاته فيقولون السّراح والفراق ليسا بصريحين وان الخلع والكتابة وغيرهما ممّا يحترزون عنه في البيع ليست بصريحة وهذا لا يتم الا بأن يكون نفس اللفظ المنشأ به حقيقة إذ لو كان مرادهم أعم لم يبق غير صريح في الألفاظ ضرورة ان كل ما هو غير صريح إذا قيد بقيود كثيرة خرج إلى الصّراحة بل لا حاجة في بعض الموارد إلى كثرة القيود مثل ان يقول أعطيتك هذا المال على وجه البيع بثمن معلوم هو عبارة عن كذا مثلا فلا يبقى مورد لنفى أمثال ما ذكر ويوضح ما ذكرنا أن القرائن ليست مما ينشأ به المقصود وكذا المركَّب من القرينة وذي القرينة وانما يتوجّه القصد إلى الإنشاء بذي القرينة وهي انّما يجاء بها لتصير كاشفة عن المراد بذلك اللفظ الَّذي يقع به الإنشاء و ( حينئذ ) فلا يبقى مجال للفرق بين المجاز الَّذي قرينته لفظية وبين المجاز الذي ( صح ) علم قطعا ان المراد به المعنى المجازي بواسطة قرينة عقلية قطعية فلم لا يصحّ الإنشاء به ويصح الإنشاء بما قرينته لفظ حقيقي والحال ان بناء أهل التعارف قد استقر على الاكتفاء في مخاطباتهم بأدون من القرائن الحالية المفيدة للوثوق والاطمئنان بالمقاصد المرادة بالألفاظ ثمّ ان ذلك البعض أيد ما ذكره بأنهم اتفقوا على أن لفظ البيع يجوز استعماله في عقد السّلم ومعلوم ان استعماله من قبيل استعمال الكلي في الفرد ولم يعتبروا وجود القرينة اللَّفظية الحقيقية مع كونه مجاز ورابعا انه جعل المشترك اللَّفظي والمعنوي مثل المجازات في عدم جواز الاكتفاء بها مقرونة بالقرائن الحالية فقال وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في الاقتصار على المشترك اللفظي اتكالا على القرينة الحالية المعينة وكذا المشترك المعنوي انتهى وقد اعترف هو ( رحمه الله ) عند البحث عن لفظ بعت بخصوصه بأنه وان كان من الأضداد بالنسبة إلى البيع والشراء لكن كثرة استعماله في البيع تعينه انتهى مع أن من المعلوم ان كثرة الاستعمال واشتهار اللَّفظ في معنى من قبيل الأمور المعنوية دون الألفاظ الحقيقية وخامسا ان قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » لا ( يخلو ) حاله عنده ( رحمه الله ) من الإجمال والبيان فإن كان ممّن يقول بالأول ألزمه الاقتصار على ما وقع عليه الاتفاق مثل لفظ بعت في البيع لان من النّاس من ادعى ان ألفاظ العقود وأسبابها توقيفية تعبدية ولا تدور مدار الكشف عن مقصود العاقد ومكنون ضميره كما حكاه ( رحمه الله ) عن الفخر ولك وكنز العرفان فيلزمه الاقتصار على القدر المتيقن المتفق على صحّته عند الجميع وهو اللَّفظ المعلوم وصوله من ( الشارع ) ولا يجوز له التعدي ( حينئذ ) إلى التعميم بالنسبة إلى المجاز والمشترك اللفظي والمعنوي المقترنة بقرائن لفظية حقيقية لأن ما عدا المتلقى من ( الشارع ) منها مختلف فيه غير متفق على جواز العقد به فيجب الاقتصار على المتيقن الذي هو المتلقى من ( الشارع ) وان كان ممن يقول بالثاني لزمه البناء على جواز كل ما صدق عليه العقد ولا يبقى وجه للاقتصار على خصوص الحقيقة أو ما كان قرينته حقيقة حتى انّه لو صدق العقد بدون اللفظ لزم الحكم بلزومه كما يراه المحقق الأردبيلي ( رحمه الله ) ثمّ ان ذلك البعض حكى عن ( المصنف ) ( رحمه الله ) انه كان يرى ما يراه المحقق المذكور وان هذه الكلمات انّما هي على سبيل التنزل عما هو المركوز في ذهنه ثم أنه قال في تحقيق المقام وبيان مبنى المسئلة إنا قد استفدنا من الأصحاب انهم لا يلتزمون بالتوقيفية والتعبّدية في ألفاظ العقود بحيث يلزم فيها التعبّد بما وصل من ( الشارع ) كالفاتحة في الصّلوة من دون نظر إلى جهة الكشف عن مكنون ضمير العاقد والإفصاح عن مقصوده كما يدل عليه عدم اقتصارهم على لفظ خاص بان يقولوا ان المعتبر انّما هو لفظ بعت وانهم تعرضوا الإعطاء قاعدة كلية وهي انه يعتبر أن يكون اللَّفظ صريحا أو يكون حقيقة ولازم التوقيف انما هو الأوّل فإن الثاني مناف له و ( حينئذ ) نقول إن المسئلة منوطة بأن قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » هل هو مجمل أم مبين فعلى الأوّل يجب الاقتصار على المتيقن المتّفق عليه وعلى الثاني يلزم السراية بمقدار سراية مفاده ومؤداه وقد وقع فيه الخلاف وسيجئ تفصيل القول فيه واختار هو على تقدير كون الآية مبينة بعد إبطال القول بالتوقيف كما عرفت ان المعتبر في العقود انّما هو الظَّهور العرفي المعتدّ به في محاوراتهم ومخاطباتهم فيشمل الحقيقة المختصة والمشترك المعنوي واللفظي المقترنين بالقرينة المعتد بها المفيدة لإيضاح ما قصد باللَّفظ والمجازات المقرونة بالقرينة الموصوفة لكن بشرط ان لا تكون بعيدة من دون فرق بين أن تكون قرائنها لفظية أو غيرها من القرائن العقلية أو المقاميّة وصرح بخروج البعيدة وعدم العبرة بها في العقود فلا يجوز استعمالها فيها اما اعتبار غير المجازات البعيدة من جميع ما ذكر ( صح ) فلإنه بعد بطلان القول بالتّوقيف في ألفاظ العقود