المامقاني

229

غاية الآمال ( ط . ق )

لا بد من الرّجوع إلى ما أمضاه ( الشارع ) في كلّ مورد وهو الظَّهور العرفي المعتد به في بيان مهمّات مقاصدهم مضافا إلى إنا نعلم أن ( الشارع ) إنّما امضى العقود المتعارفة لرفع التشاجر والنزاع ولتحقق نظام أمور الناس وهو يحصل بما هو ( الظاهر ) المفيد لمطلوب العاقد واما عدم اعتبار المجازات البعيدة فللإجماع منهم على عدم اعتبارها لأنها القدر المتيقّن من حيث عدم الاعتبار على كل من الاحتمالات الثلاثة المحتملة في معنى الصّراحة كما عرفت حكاية ذلك فيما علقناه على المتن السّابق أقول بعد فتح باب الظهور العرفي بحكم عموم الآية المؤيد بحكمة إمضاء ( الشارع ) لا يبقى مجال لاستثناء المجازات البعيدة إذا فرض اندراجها تحت العنوان الذي هو الظهور العرفي لأنها مشاركة للمجازات القريبة في اكتسائها لباس الظهور بواسطة القرائن ولا بدّ من إقامة الدّليل على ذلك الا ان ( يقال ) انهم مثلوا للمجاز البعيد بمثل لفظ الخلع والكتابة بأن يقول خلعت نفسي عن هذه العين ليصير لك بكذا مثلا وخالعتك أو كاتبتك عن هذه العين أو عليها بكذا فيدعي انه لم يعلم ترخيص الواضع في استعمال المجازات البعيدة لكن هذا لا دخل له بما ذكره من الإجماع على عدم الجواز الَّذي ادعاه فان ذلك ممنوع لان من يعتبر الصّراحة بمعنى عدم احتمال الغير لا يستلزم كلامه منع المجاز البعيد المقرون بقرائن مفيدة للمطلوب بمعنى حصول الصّراحة في المجموع المركب من القرينة وما اقترنت به كما هو الشأن في المجازات القريبة وامّا ما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) من الجمع فإنه وان كان تكلَّفا الا ان بعض ما أورد عليه ذلك البعض غير متجه عليه فمن ذلك ما أورده على ( المصنف ) ( رحمه الله ) أولا إذ لا يخفى ركاكته لأن عدم تصريحهم لا يوجب بطلان المدّعى بعد كونه من لوازم كلامهم فإنهم ذكروا انه يعتبر الحقيقة في العقود اللازمة ووجدنا تجويزهم لبعض المجازات ووجدنا عدم اعتبارهم بغير الألفاظ في إنشاء المقاصد فيستفاد من ملاحظة مجموع الأمور المذكورة لازم مقصود وهو أن تكون الدلالة مستندة إلى الوضع وأشنع من ذلك الاستشهاد على ( المصنف ) ( رحمه الله ) بكلام بعض الأساطين وهو شارح بيع ( القواعد ) فإنه ( رحمه الله ) انما يتكلم في مقابل أمثاله وليس بصدد توجيه كلام مثله حتى يحتج به عليه ومن ذلك ما أورده عليه ثانيا ضرورة ان كلام من جواز البيع بلفظ السّلف قرنه ببيان الصّيغة المشتملة على القرينة اللَّفظية ألا ترى ان منهم المحقق ( قدس سره ) وقد قال وهل ينعقد البيع بلفظ السّلم كان يقول أسلمت إليك هذا الدينار في هذا الكتاب الأشبه نعم ومنهم العلامة ( رحمه الله ) وقد قال في ( القواعد ) والأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم كان يقول أسلمت إليك هذا الثوب في هذا الدينار وفي ( التذكرة ) وكما ينعقد السّلم بلفظ البيع كذا الأقرب العكس فلو قال أسلمت إليك هذا الثوب وعينه في هذا الدينار انعقد بيعا غاية ما في الباب ان ( المصنف ) ( رحمه الله ) أشار إلى ذلك على وجه الإجمال ولم يذكر تمام عباراتهم وامّا ما حكاه عن الأكثر من أنهم جوزوا عقد البيع بلفظ السّلم ( مطلقا ) وان كانت قرينة حالية فهو واضح السّقوط لأنه ان أراد انهم صرّحوا بالإطلاق بالنّسبة إلى القرينة الحالية والمقالية فهو قرينة لأنك لا تجد أحدا صرّح بالإطلاق وان أراد ان قولهم الأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم ( مطلقا ) يشمل بإطلاقه ما لو كان هناك قرينة حالية أو مقالية ففيه ان هذا المقام ليس مما يساق فيه الكلام لبيان الإطلاق وانما يساق لبيان جنس الحكم في الجملة مع إحالة كل شرط إلى محله مع أنك قد عرفت انهم لما أحسوا فيما ذكروه نوع خفاء قرونه ببيان كيفية الصّيغة المشتملة على الألفاظ التي هي قرائن لإفادة لفظ السّلم ذلك المعنى المقصود ومن ذلك ما ذكره مؤيّدا للوجه الثالث في ذيله من أنهم اتفقوا على أن لفظ البيع يجوز استعماله في عقد السّلم وان استعماله من قبيل استعمال الكلي في الفرد ولم يعتبروا وجود القرينة اللفظية الحقيقية مع كونه مجازا فان فيه ما لا يخفى أمّا أولا فلان استعمال البيع في عقد السّلم انما هو من قبيل استعماله في الصّرف وبيع الثمار وبيع الحيوان ونحو ذلك ولا يلزم القصد إلى خصوصياتها وعناوينها حتى يحتاج إفهامها إلى قرينة وانما المعتبر هو قصد عنوان البيع في ضمن أي صنف كان وثانيا انه لا بد فيه من ذكر الشرائط المعتبرة في السّلم من الزمان والمكان وغيرهما في اللفظ ومن ذلك يتشخص المقصود بلفظ دال عليه وبعد ذلك كلَّه فالإنصاف ان الحق ما ذهب إليه ذلك البعض من اعتبار الظَّهور العرفي المعتد به في أداء مقاصدهم سواء كان حقيقة مختصة أو مشتركة لفظا مقرونة بقرينة معينة أو معنى مع اقترانها بالقرينة المفهمة أو مجازا قريبا مقرونا بقرينة موصلة إلى المقصود لفظية كانت أو غيرها وامّا البعيد فنحن مخالفون له فيه فهنا دعويان الأولى اعتبار ما عدا الأخير والدّليل عليه قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » وكون ما ذكر مما يعتد به العقلاء في افهام مقاصدهم بعد إبطال توقف ألفاظ العقود على بيان ( الشارع ) تعبدا ويؤيّده ان غرض ( الشارع ) من عدم اختلال أمور النّاس في معاشهم ومعادهم وارتفاع النّزاع والفساد من بين العباد يحصل بذلك من دون فرق بين كون قرينة المجاز لفظا حقيقيّا أو غيره وامّا الثانية فلأنه ان كان ممّا يستهجن استعماله ويستنكر فهو ملحق بالغلط لا يجوز استعماله في العقود ولا في غيرها وان كان مما لا يستهجن ولا يستنكر لم يكن فيه فرق بين العقود وغيرها ( صح ) بعد منع التوقيف في ألفاظها وكون قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » مبينا وصدق العقد عليه قوله وهذا بخلاف اللفظ الذي يكون دلالته على الطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد فان الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين وان كان من المجازات القريبة جدا رجوع عما بنى عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد ولذا لم يجوز والعقد بالمعاطاة ولو مع سبق مقال أو اقتران حال تدل على إرادة البيع جزما أقول الفرق بين ما نحن فيه وبين المعاطاة واضح ضرورة ان الإنشاء هناك انما هو بالفعل والمقاولة قرينة بخلاف ما نحن فيه فإنه لو استعمل لفظ مجازي في إنشاء العقد مقرونا بقرينة غير لفظية كان وقوع الإنشاء باللَّفظ والقرينة كاشفة لا انّها بها وقع الإنشاء ولهذا يعد المجازات المقرونة بالقرائن الحالية من قبيل الظواهر اللَّفظية وبالجملة فالمعاطاة ونحوها مما وقع الإنشاء فيه بالفعل على العكس ممّا نحن فيه فلا تكون من نظائره حتى يشبه بها في مقام التقريب قوله لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية يريد بالوجه المشار الهبة ( صح ) ما ذكره لتطبيق كلام العلامة ( قدس سره ) على ما ذكره من اعتبار كون الدّلالة مستندة إلى الحقيقة سواء كانت هي التي أنشأ بها العقد أم كانت هي قرينة اللَّفظ الَّذي أنشئ به وامّا وجه عدم جريان هذا الوجه في جميع ما ذكروه من أمثلة الكتابة بل في بعضها فيحتمل أن يكون هو عدم كون جميع ما ذكروه ( صح ) بالمثابة الَّتي ذكرها من عدم الدلالة على المعنى المنشئ الَّذي هو عنوان العقد فان من جملتها ما ذكروه في كتاب الطَّلاق من كون أنت طلاق أو مطلقة أو من المطلقات من الكناية مع انّها تدلّ على عنوان الصّيغة وهو الطلاق على حد دلالة أنت طالقي عليه فيكون سبب عدها من الكنايات هو سرابة عدم الصّراحة إليها من طريق أخر ويحتمل أن يكون هو عدم كون جميعها بالمثابة الَّتي ذكرها من كون مفاهيمها ما هو لازم أعمّ فإن من جملة ما ذكروه من الكنايات وان لم يكن كناية عند ( المصنف ) ( رحمه الله ) أدخلته في ملكك بكذا أو ملكتك بكذا