المامقاني

173

غاية الآمال ( ط . ق )

الأصل الَّذي هو توافق المشتق والمشتق منه في أصل المعنى الكلَّي السّاري في ضمن المشتقات فيكون ما نحن فيه ممّا لا يصحّ قياسه على ذلك المقام لوقوع الاختلاف هنا في معنى البيع المشتق منه فلا مخرج عن حكم أصالة توافق المشتق والمشتق منه قوله وحيث إن البيع من مقولة المعنى دون اللَّفظ مجرّد أو بشرط قصد المعنى والا لم يعقل إنشاؤه باللَّفظ وإرادة معنى أخر من الصّيغة المشتقة منه يوجب تغاير المشتق والمشتق منه وقاعدة لزوم توافق المشتق والمشتق منه تنقيه وقال بعض المعاصرين أيّده اللَّه ( تعالى ) في مقام دفع هذا الإيراد على القول بكون البيع عبارة عن الإيجاب والقبول الدالين انه لا بأس بالتزام عدم إنشاء البيع بلفظ البيع بهذا المعنى وانّما المنشأ به غيره ممّا يناسبه على نحو إنشاء النكاح بناء على أنه هو العقد كما حكى عليه الاتفاق واعترف به كثير منهم وفيه ما تقدم من أن عدم صحة الإيجاب بمعنى العقد في النكاح مع الاتفاق على كون النّكاح حقيقة في العقد المخرج عن أصالة توافق المشتق والمشتق منه ممّا يدعو إلى الحكم بالمغايرة هناك والمفروض عدم الاتفاق هنا على كون البيع بمعنى العقد الذي هو عبارة من الألفاظ الَّتي هي الإيجاب والقبول والعجب منه سلمه اللَّه كيف أتى بما ذكره وقد سبقه صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) بما ذكرناه على ما ستعرف ثمّ ان صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) أورد على القول المذكور بوجوه أخر أحدها انّ البيع من قبيل الفعل فلا يصحّ تفسيره بالعقد الَّذي هو من قبيل اللَّفظ الَّذي هو من قبيل الكيف لانّ المقولات العشر متباينة ويدفعه انّ ذلك أول النزاع فإنّ القائل بالقول المذكور يلتزم بأنّ البيع من مقولة الكيف ثانيها انّ العقد سبب والبيع مسبب فيمتنع تعريف أحدهما بالآخر ويدفعه ان ذلك ( أيضا ) أوّل النزاع لأنّ القائل بالقول المذكور يلتزم بأنّ البيع عبارة عما هو السّبب للنقل وهو العقد وليس عبارة عما تسبّب عنه وثالثها انّ النقل هو الموافق لتصاريف البيع وما يشتق منه من الأفعال والصّفات بخلاف غيره إذ لا يراد ببعث مثلا العقد والا لكان إيجابا وقبولا وهو معلوم البطلان وكذا البائع فإنه ليس بمعنى الموجب والقابل والمطرد في الجميع هو النّقل فيكون البيع موضوعا له اجراء له على الأصل من لزوم التوافق مع الإمكان فلا يقدح تخلفه في النكاح لثبوت وضعه للعقد وامتناع الموافقة في أنكحت ونحوه فوجب صرفه إلى معنى أخر كتمليك الانتفاع والتّسليط على الوطي وغيرهما ممّا يناسب العقد بخلاف المقام الذي لم يثبت وضعه فيه للعقد بل قد عرفت ثبوت الخلاف فيه وانه موضوع للنقل انتهى وهذا الوجه وجيه لكنّه راجع إلى ما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) ثمّ ان منهم من قال إن أجود التعاريف ما حكى عن الحلبي ( رحمه الله ) في الكافي من أنه عقد يقتضي استحقاق التصرّف في المبيع والثمن وتسليمهما وفيه أولا انه مبنى على القول بكون البيع عبارة عن الإيجاب والقبول وقد عرفت ما فيه وثانيا انه مشتمل على الدور لذكر المبيع فيه وثالثا انه لا مدخل للتّسليم في مفهوم البيع وقد اعتبره فيه ورابعا انّه لا يشمل البيع الفاسد قوله عدل جامع المقاصد إلى تعريفه بنقل العين بالصّيغة المخصوصة استدل على ما تضمّنه هذا التعريف من كون البيع عبارة عن النّقل بأنّ المتبادر منه عرفا ذلك وبأصالة عدم النقل يثبت شرعا ولغة مع ما في مجمع البحرين من أن المراد به في آية أحلّ اللَّه البيع ونحوها إعطاء المثمن وأخذ الثمن وما في المصباح من أنه مبادلة مال بمال ولهذا صار إليه المحقق الثاني ( قدس سره ) صريحا وتبعه غيره واستظهر من عبارة ( الشرائع ) ولمعة ونحوهما وربما استدل عليه أيضا ببطلان القولين الأوّلين بما سبق فيتعين الثالث للاتفاق على أنه أحد الثلاثة لكن قال بعض المعاصرين أيده اللَّه تعالى انه مع ندور القول المزبور بل في مفتاح الكرامة إنا ما وجدنا قائلا به صريحا غير الكركي ( رحمه الله ) ولا ظاهرا عدا ( الشرائع ) واللمعة بل ظاهر ( المسالك ) من جهة اقتصارها على حكاية القول بأنّه عقد والقول بأنه انتقال انما هو حمل ظاهر المتن يعني ( الشرائع ) على الثاني أو الأوّل وانه لا ثالث لهما قد يمنع التبادر المزبور وأولى به دعوى الاتفاق على الحصر المزبور أيضا بل قد يدعى ان المتبادر منه هو المعاملة الخاصّة القائمة بين البائع والمشترى معا وهو المعنى الحاصل بالعقد وهو المراد بقولهم كتاب البيع وعقد البيع وأقسام البيع ونحو ذلك و ( حينئذ ) فتعريفه بالعقد أولى وأسد كما في مفتاح الكرامة وقد تحمل عبارة المصباح والمجمع على ذلك ان لم تكن ظاهرة فيه بل قد تحمل عليه الآيات ونحوها ولا بأس به إذ حملها على فعل البائع خاصّة أو على فعل المشتري خاصة بعيد جدا وان كانا من معانيه اللغوية إذ هو من الأضداد عندهم كالشراء انتهى ولا يخفى ما في دعوى تبادر المعاملة الخاصّة وحمل عبارتي المصباح والمجمع على ذلك من المنع ثمّ ان ما ذكره من استظهار القول بالنقل من عبارتي ( الشرائع ) واللمعة ممّا صرّح به صاحب ( الجواهر ) أيضا لأنه قال في ذيل قول المحقق ( قدس سره ) في عقد البيع وشروطه وإذا به العقد هو اللَّفظ الدّال على نقل المال من مالك إلى أخر بعوض معلوم ما لفظه وظاهره كاللمعة ان البيع نقل الملك بعوض معلوم انتهى وقد أجاد هو ( رحمه الله ) ومن سبقه في هذا الاستظهار لان عقد البيع إذا كان هو اللَّفظ الدّال على النقل فالبيع لا ( محالة ) يكون عبارة عن النّقل لكن أورد عليه بعض من تأخر بان الاستظهار المذكور مبنى على أن تكون إضافة عقد البيع لاميّة وهو ممنوع لاحتمال أن تكون بيانية فيكون التّعريف لنفس البيع ويصير ( حينئذ ) عبارة عن اللَّفظ الَّذي هو العقد مضافا إلى انّه على تقدير كون الإضافة لاميّة لا دلالة في عبارة المحقق ( رحمه الله ) على كون البيع عبارة عن النقل لاحتمال انّه عبارة عن الانتقال ولا يخفى عليك سقوط الجميع ضرورة كون الإضافة البيانية خلاف ( الظاهر ) فلا يلتزم بها الا عند قيام قرينة وكون البيع عبارة عن الانتقال بعد فرض الإضافة لاميّة مما يأبى عنه مساق الكلام كما لا يخفى نعم هو من الاحتمالات الموهومة الَّتي لا تصادم الظَّهور أصلا واعلم أن ما أشار إليه ( المصنف ) ( رحمه الله ) من اختلافهم في تعريف البيع بالنقل أو الانتقال أو عقد البيع انّما أراد به بيان أصول ما اختلف فيه والا فالتعاريف باختلاف القيود كثيرة وربما ( يقال ) ان المقصود من التفاسير الثلاثة انما هو إفادة مجرّد الكشف في الجملة لا التمييز الحقيقي حتّى يتحقق الخلاف بحسب المعنى ويظهر أثر الفرق بين التمييز الحقيقي والكشف في الجملة في أحكام الصرف والسّلم اللَّذين هما من أقسام البيع فإنّهما على الأوّل لا يتحققان في المعاطاة على القول بكون البيع عبارة عن العقد لعدم كونها بيعا على هذا القول فلا يوجد له في ضمنها ما هو من أقسام البيع قوله ( قدس سره ) ويرد عليه مع أن النّقل ليس مرادفا للبيع ولذا صرح في ( التذكرة ) بأن إيجاب البيع لا يقع بلفظ نقلت وجعله من الكنايات قد يدفع هذا بأنه غير قادح لوروده في كلّ تعريف حتّى تعريف البيع بأنّه إنشاء تمليك عين بمال الَّذي قال ( المصنف ) ( قدس سره ) بأنه أولى من غيره إذ ليس الجنس مرادفا للمحدود وان توهم مرادفة مجموع الحد له كما هو واضح كوضوح عدم إرادتهم كون البيع مطلق العقد أو مطلق النقل أو الانتقال كما قد