المامقاني

222

غاية الآمال ( ط . ق )

القرب ان الإيجاب في البيع يصحّ بكل ما أدى ذلك المعنى المخصوص كما سبق صحته بملكتك كذا بكذا ولا ريب في انّ السّلم أقرب إلى البيع من التّمليك لأنه شائع في الهبة فإذا انعقد بالأبعد لتأدية المعنى المراد فبالأقرب إذا أداه أولى ويحتمل ضعيفا البطلان لان ذلك مجاز بالنّسبة إلى البيع الَّذي ليس سلما والعقود اللَّازمة لا تثبت بالمجازات وفيه منع لأنا قد بيّنا ان إيجاب البيع يصحّ بكلّ لفظ أدى ذلك المعنى كملكتك وهذا أقرب في التّأدية كما قلنا لا ( يقال ) فيصح بلفظ الخلع والكناية لأنا نقول هذان لا يتأدّى بهما معنى البيع الا بتكلفات وقرائن أجنبيّة وهما حقيقتان في معنى أخر ومجاز في البيع من أبعد المجازات والمجاز لا ينعقد به البيع كما قررناه انتهى وقال في باب عقد النكاح في ذيل البحث عن وقوعه بلفظ متعتك ما لفظه وقد سبق في البيع ان الأصحّ وقوعه حالا بلفظ السّلم وذكرنا توجيهه هناك وبينا ان عدم الصّحّة انّما هو مع استعمال الألفاظ المجازية الأجنبيّة وهذا أقوى انتهى خامسها انه يصحّ العقد بالحقائق وبالمجازات الَّتي قرائنها ألفاظ مستعملة في معانيها الحقيقيّة حتى أنها صارت سببا لإفادة المجازات لمعانيها وبالمشترك اللَّفظي أيضا إذا كانت قرينة المعيّنة للمعنى المراد لفظا مستعملا في معناه الحقيقي ولا يصحّ بغير ذلك من المجاز والمشترك اللَّفظي اللَّذين قرينتهما من قبيل القرائن الحالية والأمور العقليّة ومثلهما المشترك المعنوي وهذا هو الَّذي رجحه ( المصنف ) ( قدس سره ) وحمل كلام القائلين باعتبار الحقيقة دون المجاز على ما هو أعمّ من أن يكون الدال ابتداء على معنى العقد هو اللَّفظي الحقيقي وأن يكون أمر الدلالة ينتهى إليه بأن يكون قرينة والسر في التّرجيح ان المناط هو اعتبار الدلالة اللفظيّة المعتد بها عرفا في العقود وكما أن دلالة الحقيقة الواحدة على معناها بالظَّهور المعتد به ( كذلك ) دلالة المجاز الَّذي قرنيته لفظ مستعمل في معناه الحقيقي ودلالة المشترك اللَّفظي الَّذي قرينة موصوفة بالوصف المذكور وامّا المجاز والمشترك اللَّفظي المقرونان بالقرائن الغير اللَّفظيّة فهما وان كانا ظاهرين معتبرا ظهورهما الا ان ظهورهما ليس من ظهور الدلالة اللَّفظية وقد عرفت ان المعتبر انّما هي الدلالة اللَّفظيّة والظهور اللَّفظي وهذا هو الَّذي ذكره ( المصنف ) ( قدس سره ) بقوله ولعل الأحسن منه ان يراد ( انتهى ) وحكى بعض مشايخنا قولا سادسا وهو التفصيل في قرائن المجازات بين اللَّفظ الحقيقي وغيره بعد التفصيل بجواز المجاز القريب وعدم جواز المجاز البعيد ففصل في المجاز الغريبة بين ما لو كانت قرينته لفظا حقيقيّا وبين ما كانت غيره فلا يجوز ولكنا لم نجد به قائلا وسئلنا الحاكي فلم يعرفه قوله والمراد بالصّريح كما يظهر من جماعة من الخاصّة والعامة في باب الطلاق وغيره ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا ومن الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع فيفيد إرادة نفسه بالقرائن وهي عندهم على قسمين خفية وجلية اعلم أنه قد اختلف كلمات الفقهاء في تفسير الصّريح والكناية التي جعلت مقابلة له على وجوه أحدها ان الكناية ما يتوقف وقوع معناه على النية ويقابله الصّريح وهو ما لا يتوقف وقوع معناه على النيّة وهو ظاهر كلام السّيّد ( رضي الله عنه ) في الانتصار في مقام الحكاية عن العامة وظاهره ( رحمه الله ) انه لم يخالفهم في الاصطلاح قال في الانتصار وممّا انفردت به الإماميّة ان الطلاق لا يقع الا بلفظ واحد وهو قوله أنت طالق ولا يقع بفارقتك وسرحتك ولا بإعتدى وحبلك على غاربك وخلَّية وبرّية وبتة وبتلة وكل لفظ عدا ما ذكرناه واختلف الفقهاء في ألفاظ الطلاق فقال أبو حنيفة لفظ الطَّلاق الصّريح ما تضمّن الطَّلاق خاصّة والباقي كنايات ويقع الطَّلاق بها مع النيّة وقال الشافعي صريح الطَّلاق ثلاثة ألفاظ الطَّلاق والفراق والسراح وباقي الألفاظ كنايات لا يقع بها الطَّلاق الا مع مقارنة النية لها ويقع مع ذلك ما ينويه وقسم الكنايات إلى قسمين ظاهرة نحو قوله خلية وبرية وبتة وباين وبتلة وحرام والكنايات الباطنة نحو قوله اعتدى واستبرئي رحمك وتقنعي وحبلك على غاربك إلى أن قال والحجّة لما نذهب إليه بعد إجماع الطَّائفة ان الطلاق يتبعه حكم شرعي لا يثبت إلا بأدلَّة الشّرع ولا خلاف في وقوعه باللَّفظة الَّتي ذكرناها وما عداها من الألفاظ لم يقم دليل على وقوعه بها فيجب نفى وقوعه لان الحكم الشرعي لا بد من نفيه إذا انتفى الطَّريق إليه وأيضا فإن ألفاظ القران كلها واردة بلفظ الطَّلاق مثل قوله ( تعالى ) : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ » وما أشبه ذلك وطلَّقتم مشتق من لفظ الطَّلاق دون غيره من الألفاظ فينبغي ان لا يتعلق الحكم الا بهذا اللَّفظ فان قيل معنى طلقتم فارقتم والفراق قد يكون بألفاظ مختلفة قلنا هذا خلاف ( الظاهر ) لان لفظ طلقت مشتق من حدث فيه طاء ولام وقاف كما أن ضرب مشتق من حدث فيه ضاد وراء رباء ومن فعل ما فيه معنى الضّرب لا ( يقال ) ضرب و ( كذلك ) لا ( يقال ) فيمن فعل ما فيه معنى الطَّلاق طلق فان قيل لفظة الطَّلاق شرعية قلنا معاذ اللَّه هذه لفظة لغوية معروفة في خطاب أهل اللغة وانّما يتبعها أحكام شرعيّة لا تعرف في اللَّغة انتهى والغرض من ذكر هذا الكلام انهم أعني العامّة أرادوا بالصّريح ما لا يتوقف وقوع الطَّلاق به على النيّة وبالكناية ما يتوقف وقوعه به على النيّة وان اختلفوا في تعيين الصّريح فقصره أبو حنيفة على ما اشتمل على مادة الطَّلاق وجعله الشافعية ثلثه وان السّيّد ( رضي الله عنه ) لم يخالفهم في الاصطلاح وان خالف بعضهم في الحكم مستندا إلى ما هو تقرير للاصطلاح وليس فيه نفى له وان كان أصل كلام السيّد ( رضي الله عنه ) لا ( يخلو ) عن المناقشة خصوصا قوله ومن فعل ما فيه معنى الضّرب لا ( يقال ) ضرب فإنه ممّا لا نعقل معناه والحاصل انهم ذكروا ان الكناية ما يحتاج إلى النيّة ولا يخفى انه ليس ملازما لما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) من عدم كون اللَّفظ موضوعا لعنوان العقد ضرورة وضعه له وان وضع لغيره أيضا والوضع للغير لا يقتضي عدم صدق كونه موضوعا لعنوان العقد وهو ظاهر وانّ الصّريح ما لا يحتاج إلى النيّة وهو أخصّ من اللَّفظ الموضوع لعنوان العقد لان من الموضوع لعنوان العقد ما هو مشترك بينه وبين غيره ولا يصدق عليه انّه لا يحتاج إلى النيّة والغرض تقرير الاصطلاح والا فالحكم أعني وقوع العقد بغير نيّته مما لا نقول به وأوضح من ذلك عبارة الشيخ ( قدس سره ) في ( المبسوط ) حكاية عن بعضهم حيث قال صريح الطَّلاق عندنا لفظة واحدة وهو قوله أنت طالق أو هي طالق أو فلانة طالق ويحتاج إلى مقارنة