المامقاني
337
غاية الآمال ( ط . ق )
الطلاق فطلق ناويا له فالأقرب انّه غير مكره إذ لا إكراه على القصد يعنى ان ظنّ انّه يلزمه الطَّلاق لا مجرد لفظه بالإجبار وان كان لا يريده اما لو علم أنه لا يلزمه الا اللَّفظ وله تجريده عن القصد فلا شبهة في عدم الإكراه انتهى قوله ثم إن بعض المعاصرين ذكر الفرع عن ( المسالك ) وبناء على أن المكره لا قصد له أصلا ( انتهى ) أراد به صاحب الجواهر ( رحمه الله ) فإنه قال ولو قصد المكره إيقاع الطلاق ففي ( المسالك ) وغيره في وقوعه وجهان من أن الإكراه أسقط أثر اللفظ ومجرد النية لا تعمل ومن حصول اللفظ والقصد وهذا هو الأصحّ ثم قال ( رحمه الله ) قلت مرجع ذلك إلى أن الإكراه في الظاهر دون الواقع وقد تكرر من العامة والخاصة خصوصا الشهيد الثاني ( رحمه الله ) في ( المسالك ) والروضة في المقام وفي البيع ان المكره حال الكراهة لا قصد له للمدلول وانّما هو قاصد للفظ خاصة وفيه منع واضح ضرورة تحقق الإنشاء والقصد منه ولذا ترتب عليه الأثر مع الإكراه بحق ومع تعقب الإجازة بالعقد بل ظاهر قوله ( عليه السلام ) انّما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه ( انتهى ) تحقق الإرادة من المكره بل لعل عدم القصد للمدلول في المكره من التورية الَّتي لم نوحيها عليه و ( حينئذ ) فالمكره قاصد على نحو غيره الا انّه قصد إكراه لا قصدا اختيار وان شئت عبرت عن ذلك بالرّضا وعدمه ومن هنا يظهر لك ما في عنوان الوجهين السابقين المبنى على كون المكره غير قاصد وعليه كان المتجه إدراجه في الشرط الرابع لا ان يجعل شرطا مستقلا نعم قد يقال إن الهازل يقصد اللفظ دون المبنى فلا إنشاء ( حينئذ ) وبه يتضح الفرق بينهما أو يقال انّه قاصد ( أيضا ) الا انه قصد هزلي لا أثر له في الشرع للأدلَّة الخاصة ولو تعقبه الرّضا بل قد عرفت اشتمالها على بطلان طلاق الغضبان وان كنت لم أعرف من أفتى به الا مع ذهاب العقل به أو القصد انتهى ثم لا يخفى عليك ان عبارة التحرير مما لا ( يخلو ) عن إجمال لأنه محتمل لوجوه أحدها أن يكون المراد بقوله فطلق ناويا انّه طلق قاصدا إلى مضمون الصّيغة وهو الطلاق ويكون هذا الفرع مبنيا على زعمه ( رحمه الله ) ان المكره انما يقصد اللفظ دون المعنى كما زعمه جماعة وعلى هذا فإذا قصد المعنى خرج عن كونه مكرها وصار مختارا وهذا التفسير مع كمال ملائمته لقوله ناويا من جهة ان النية عبارة عن القصد يؤيّده قوله ( رحمه الله ) في القواعد بعد اشتراط القصد فلا يقع طلاق السّاهي والغافل والغالط وتارك النية انتهى وذلك لأنه ذكر ترك النية في مقابلة القصد ولا يتوهم انّه إذا كان المكره غير قاصد يكون اشتراط الاختيار مغنيا عن اشتراط القصد وقد جمع بينهما في الاشتراط فقهاؤنا ومنهم العلامة ( رحمه الله ) لان عقد المختار وغيره لمن فعاله يقع عن قصد وعن غير قصد والمتصف بالصّحة انما هو الأوّل فمجرد اشتراط الاختيار لا يغني كما أن مجرد القصد لا يغني إذ يمكن تحقق القصد مع الإكراه كما في المكره الذي غلبت عليه الدهشة وفي الجاهل الذي ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) فالنسبة بين القصد والاختيار عموم من وجه وزعم خلو عبارة المكره عن قصد المعنى وان لم يقع صريحا في كلام العلامة ( رحمه الله ) الا انه وقع في كلام الشهيد الثاني ( رحمه الله ) وقد عرفت انه ذكر في هذا الفرع وجهين من أن الإكراه أسقط أثر اللفظ ومجرد النية لا تعمل ومن حصول اللفظ والقصد ثانيها ما صرّح باختياره بعض من تأخر وهو الذي أفاده كلام صاحب المقابيس ( رحمه الله ) من أن مراد العلامة ( رحمه الله ) هو ان المأمور بالطلاق لم يكن راضيا به ولكن المكره لما أكرهه وكان يحصل التفصي عن شره وعن وقوع ما توعد به تجرد إيقاع اللفظ إذا لم يكن القصد مما يقبل وقوع الإكراه عليه لكونه أمرا باطنيا يتبع الدواعي الباطنية فحيث قصد المعنى خرج عن كونه مكرها في ذلك القصد وأوقعه عن اختياره لأنه حيث لم يكن مما يحيط به علم المكره ولا يتيسّر له الإكراه لم يكن وقوعه مستندا إلى فعله الذي هو الإكراه وهذا المعنى معتبر في صدق الإكراه قطعا قال ذلك البعض ان هذا هو الذي ليس بديهي الصّحة ولا بديهي الفساد فيصحّ للعلامة ( رحمه الله ) الافتداء بكونه أقرب وللشهيد الثاني ( رحمه الله ) التردد فيه لما عرفت من وجهي الطرفين أعني إسقاط الإكراه أثر اللفظ وكون مجرد النية لا تعمل وحصول اللفظ والقصد ثم انّه عدل عن هذا التوجيه معللا بأنه يستلزم القول بوجوب التورية ولم يقل به أحد من أصحابنا أقول هذا التوجيه لا يستلزم وجوب التورية بخصوصه وانّما يستلزم وجوب عدم القصد إلى إيقاع الطلاق مثلا وهذا مما يندرج تحته فردان أحدهما التورية والأخر عدم القصد إلى المدلول أصلا غاية ما في الباب ان اتفاق أصحابنا على عدم وجوب التورية يصير قرينة على أن مراده ( رحمه الله ) هو انه يلزم ان لا يقصد المكره بلفظه معناه فإذا قصد المعنى خرج عن كونه مكرها بل الأولى ان يقال ( حينئذ ) في تقريره ان وظيفة المكره انما هي التفصي عما توعد به المكره وهو يحصل بإيجاد اللفظ بدون المعنى فمع التّخطي عنه إلى قصد المعنى يكون تخطَّيه مستندا إليه فيكون مختارا ولا يكون مستندا إلى المكره حتى يكون مكرها هذا ولكن هذا التوجيه ينافي ما ذكروه من انّ المكره إذا رضي بعد زوال إكراهه صح ما أوقعه من العقد نظرا إلى ما تقدم من أن الرّضا اللاحق لا أثر له إذا تعقب اللفظ الخالي عن المعنى ثالثها ان المراد بقوله طلق ناويا هو انه نوى وقوع الطلاق في الخارج وترتب الأثر عليه فيه ولا يتوهم انه لا وجه ( حينئذ ) لتعبير العلامة ( رحمه الله ) بقوله فالأقرب وقوع الطلاق لبداهة وقوع الطلاق ( حينئذ ) كما لا وجه لتردد الشهيد الثاني ( رحمه الله ) وحكاية سبطه البطلان قولا لاندفاعه بالتأمل فيما أفاده الشهيد الثاني ( رحمه الله ) في مستند الوجهين الا ترى انه جعل وجه البطلان ان الإكراه أسقط أثر اللفظ ومجرد النية لا تعمل فان المانع على تقريره انما يجيء من وقوع اللفظ مكرها نظرا إلى أن الإكراه يسلب اللفظ أثره فلا يكون تأثير رضاه الباطني عند وقوع لفظه في حال الإكراه من البديهي المسلم فافهم فان ما أفاده الشهيد الثاني ( رحمه الله ) بيان لما أفاده العلامة ( رحمه الله ) وبيان مراد مثله ينبغي ان يصدر من مثله قوله والحكم في الصورتين لا يخلو عن إشكال أراد بالصورتين ما لو كان الداعي هو الإكراه ولكن مع كون الضرر عائدا إلى المكره بالكسر فيريد المكره بالفتح دفعه عنه وما لو كان الداعي شفقة دينيّة على المكره بالكسر قوله ثم المشهور بين المتأخرين انه لو رضى المكره بما فعله صحّ العقد بل المشهور ذلك ( مطلقا ) في كثير من العبارات بل ظاهر كثير من العبارات الاتفاق عليها قوله فظهر مما ذكرنا ضعف وجه التأمل في المسئلة كما عن الكفاية ومجمع الفائدة تبعا للمحقق الثاني ( رحمه الله ) في جامع المقاصد قال فيما حكى عن الكفاية انهم قالوا لم يصحّ عدا المكره استنادا إلى تعليلات اعتبارية من غير نص فالمسئلة محلّ اشكال انتهى وقال في مجمع الفائدة مشيرا إلى قول العلامة ( رحمه الله ) فلو باع الطفل أو المجنون أو المغمى عليه أو السكران وان أذن لهم أو المكره لم يصحّ ولو أجاز وأبعد الكمال الا المكره فالتفريع كله ظاهر الا قوله ولو أجازوا إلا المكره فان الاستثناء غير واضح بل ( الظاهر ) البطلان ( حينئذ ) ( أيضا ) لعدم حصول القصد بل وعدم صدور العقد عن تراض والظاهر اشتراطه على ما هو ظاهر الآية ولأنه لا اعتبار بذلك الإيجاب في نظر الشارع فهو بمنزلة العدم وهو ظاهر لعدم الفرق بينه وبين غيره من الطفل وغيره والفرق بين كلامهم بأنه لا اعتبار به بخلاف كلام المكره فإنه معتبر الا انه لا رضا معه فإذا وجد الرضا صحّ لوجود شرطه بعيد جدا وبالجملة لا إجماع فيه ولا نص والأصل والاستصحاب وعدم الأكل بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض وما مرّ يدل على عدم الانعقاد وهو ظاهر الا ان المشهور الصحة وما نعرف لها دليلا وهم رحمهم اللَّه أعرف ولعل لهم نصا ما نقل إلينا انتهى ولا يخفى عليك ان كلامه مبنى على أن المكره غير قاصد إلى المعنى المفهوم من اللفظ وانه استظهر البطلان ولم يقتصر على مجرد التأمل كما حكاه ( المصنف ) ( رحمه الله ) واما عبارة جامع المقاصد فقد تقدم ذكرها في صدر المسئلة هذا وقد استظهر بعض المعاصرين أيده اللَّه ( تعالى ) التوقف من عبارة ( المسالك ) ولا أرى لوجها فإنها ظاهرة في الحكم بالبطلان وقد تقدم حكايتها نعم لا أرى