المامقاني
338
غاية الآمال ( ط . ق )
بأسا بما ادعاه بعض الأواخر من كون البطلان مقتضى إطلاق بعضهم شرطية الاختيار على وجه يظهر منه انه كالبلوغ والعقل بل عن الخلاف ان طلاق المكره وعتقه وسائر العقود التي يكره عليها لا تقع إجماعا منا وبه قال كثير من العامة وقال بعضهم بان طلاقه وعتقه واقع وكذا كل عقد يلحقه فسخه فإن لم يلحقه فسخ كالصّلح والبيع والإجارة انعقد عقدا موقوفا فإن أجازها صحت والا بطلت هذا وقد يستدل للقول بالصّحة باستظهار الإجماع عليها من جماعة وفهمه من عبارات آخرون بعموم قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » الشامل لمحل البحث ( أيضا ) ولكن لما علمنا مانعية الإكراه عن تأثير العقد شرعا أوقفناه على زواله فإذا زال عمل المقتضى عمله كما في نظائر ذلك بل لو سلم كون الاختيار أو الرّضا من قبيل الشّرط للعقد شرعا لا كون الإكراه مانعا كما هو مقتضى ظاهر قوله ( تعالى ) : « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ » والآية المذكورة لا دلالة لها على اشتراط حق الرّضا فتأمل فإنّ ظاهر اللفظة عن ؟ ؟ ؟ الدلالة على ذلك ويأتي الكلام في مسئلة الفضولي إنشاء اللَّه تعالى منه دام ظله العالي فلا نسلم شرطية مقارنته له للأصل ولمساواته للفضولي الثابت بالنص في جامعيّة الشرائط في حال وقوعه عدا الرضا من المالك فإذا تعقبه الرّضا أثر ولزم ولكن قد يفرق بينهما بعدم القصد أصلا ورأسا في المكره بخلاف الفضولي فإنه قاصد للنقل ومريد له قصعا وان توقف مضيه على رضا المالك ولا يصغى إلى دعوى ان الفضولي قاصد للفظ العقد دون مدلوله كالمكره كما لا يصغى إلى دعوى ان المكره ( مطلقا ) قاصد له ( أيضا ) ومريد له الا ان نفسه غير طيبة به كما أن نفس المالك غير طيبة به في الفضولي فهما سواء في غير طيب النفس بل التحقيق انّ الإكراه يقع على الوجهين من قصد المعنى وانتفاء مجرد طيب النفس ( صح ) ومن عدم قصد منه الا إلى اللفظ والأول يصحّ بالرّضا للاحق دون الثاني والفرق قابلية الأول له دون الأخير ولعل المراد بلفظ الموثوق بعبارته في كلام المحقق ( رحمه الله ) هو القسم الأول وهو ما قصد به المعنى فتدبر ثم انّه قد يستشكل في التمسّك بالآية بأن المأمور به انما هي العقود المعهودة المتعارفة في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا بد من إثبات ان العقد الذي أوقعه المكره بعد زوال العذر برضا كان معهودا في ذلك الزمان حتى تشمله الآية إذ ما لم يكن معهودا يقع الشك في شمول الخطاب له وتوجهه إليه ويجاب بان العلم بذلك لا يلزم أن يكون تفصيلا بالاطلاع على أحوال زمانه على وجه الخصوص لإمكان حصول العلم بغير ذلك الوجه وهو تداول الفتوى بصحة عقد المكره بعد رضاه في كتب فقهائنا ( رضي الله عنه ) فيعلم من ذلك كون مثل ذلك معهودا في زمانه ( تعالى ) لأنهم لا يفتون الا عن خبرة قوله وان انتصر لهم بعض من تأخر عنهم بقوله ( تعالى ) : « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ » الدال على اعتبار كون العقد عن التراضي مضافا إلى النبوي المشهور الدال على رفع حكم الإكراه وقال بعض المعاصرين انه قد يستدل على الثاني يعنى على عدم صحة عقد المكره بالرضا اللاحق بالأصول وبحديث رفع القلم بناء على عمومه لذلك كما سبق لظهوره في اتحاد المرفوع عن الصبي والمكره ونحوهما وبعدم الفرق بين الجميع وبعدم القصد حال العقد مع ظهور النصوص وغيرها في اعتبار مقارنته له بل قد يدعى انتفاء اسم العقد بانتفائه إذ ليس هو اسما للفظه على كل حال وبعدم الرضا حاله مع ظهور الكتاب والسّنة في اعتبار مقارنته له ( أيضا ) أو في اعتبارها في مفهومه إلى غير ذلك ولكن في الجميع نظر انتهى أقول لم يجمع بين الصبي والمكره في حديث رفع القلم فان حديث رفع القلم كما حكاه فيما تقدم من كلامه هو قوله ( عليه السلام ) رفع القلم عن ثلاثة عن الصّبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ومثله غيره والحديث النبوي المصدر بقوله رفع عن أمتي تسعة غير مشتمل على المجنون والصّبي فلا وجه لتقريب الاستدلال بان المرفوع عن الصبي إذا كان هو بطلان معاملته على وجه ( صح ) لا يصحها الرضا اللاحق فكذا في المكره اللَّهم الا ان يدعى ان سياق الحديثين واحد فإذا كان المرفوع عن الصّبي هو الصّحة على الوجه المذكور كان المرفوع عن المكره ( أيضا ) ذلك ( فتأمل ) ثم لا يخفى عليك سقوط الجميع امّا الأوّل فلارتفاعه بالدليل وقد عرفت التمسّك بقوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » وامّا الثاني فلإنه على تقدير تسليم اجتماع المكره والصّبي والمجنون في حديث واحد لا يلزم من اشتراكها في الرفع اتحاد كيفية الرفع والجامع عدم صحة العقد في حال وقوعه على وجه يترتب عليه جميع الآثار ولا ينافيه الاختلاف في الكيفية بان يترتب على أحدها حكم الصحة بلحوق الرّضا دون الأخر ومع وقوعها في اخبار متعددة يكون عدم لزوم اشتراكها في اتحاد الكيفية بطريق الأولى وامّا الثالث وهو عدم الفرق بين الجميع فلم يقع إلا في كلام بعضهم وليس مما وقع الإجماع عليه ولا حجة في كلام البعض وكلامنا انما هو في مقابلة من يدعيه فالتمسّك به مصادرة وامّا الرابع وهو عدم القصد حال العقد فلإنه خارج عن مفروض البحث فان من يحكم بالصّحة بعد لحوق الرّضا والإجازة انما يحكم بها مع كون المكره قاصدا إلى معنى اللفظ ومفهومه غاية ما في الباب انّه لم يطب بذلك نفسه ومن هنا قيل فإنه لعلّ النزاع موضوعي أو لفظي بين الأكثر أو الجميع كما يومي إليه مع التدبر في أدلَّة الطرفين تقييد بعضهم الصحّة بان لا يبلغ إلى الخلو عن القصد وفهم المعنى وقول صاحب الجواهر ( رحمه الله ) مع كونه من المانعين انه لو فرض تصور قصد المكره للمعنى مع عدم الرّضا به وقلنا بأن الإكراه على اللفظ لا يخربه عن قابلية التأثير جرى عليه حكم الفضولي بل وكذا لو كان مختارا وصرّح بالقصد دون الرضا بناء على إمكان انفكاكهما ولعلّ منه بيع التلجئة ولا ريب وكونه ( حينئذ ) كالفضولي إلى أن قال ولعلّ إطلاق الأصحاب الصّحة في المكره مبنى على غلبة هذه الصورة انتهى وامّا الخامس فللمنع من ظهور الكتاب والسنة في اعتبار مقارنة الرضا وستعرف عدم دلالة قوله ( تعالى ) : « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ » على انحصار طريق الحل في كون العقد مسبوقا بالرّضا قوله مؤيدا بالنقض بالهازل مع أنهم لم يقولوا بصحته بعد لحوق الرّضا قال في ( المسالك ) في ذيل كلامه لكن يبقى في هذا كله اشكال من وجه أخر وهو ان الهازل قد حكموا بفساد عقده ولم يذكر ولزومه ولو لحقه الرّضا به وظاهر حالة انه قاصد إلى اللفظ دون مدلوله لأنه بالغ عاقل فاللازم ( حينئذ ) اما إلحاقه بالمكره في لزوم عقده مع لحوق الرّضا أو إبداء الفرق بكونه غير قاصد للفظ وفيه تأمل انتهى وغرضه ( رحمه الله ) انه إذا لم يصحّ عقد الهازل بحكمهم لم يصح عقد المكره ويمكن دفعه بان الهازل قاصد إلى اللفظ دون المعنى بخلاف المكره ( صح ) فإنه قاصد إلى المعنى غير مقرون بطيب النفس به قوله والكل كما ترى لأن دلالة الآية على اعتبار وقوع العقد عن التراضي اما بمفهوم الحصر واما بمفهوم الوصف ولا حصر كما لا يخفى لان الاستثناء منقطع غير مفرّغ لا يخفى ان اشترط سبق الرّضا على العقد لا يتم إلا بدلالة الآية على الحصر بأن يكون الإباحة الناشئة من الاستثناء من النهى المفيد للتحريم منحصرة في التجارة الناشئة عن الرضا بمعنى كونه مسبوقا ومقرونا بها حتى تخرج التجارة الملحوقة بالرضا عن حكم الإباحة فلا يؤثر في صحتها فتقي محكوما عليها بالحرمة و ( المصنف ) ( رحمه الله ) قد منع من دلالتها على الحصر مستندا إلى أن الاستثناء منقطع غير مفرّغ وظاهر كلامه ( رحمه الله ) ان كلا من القيدين له دخل في منع الحصر فلو كان الاستثناء متصلا أفاد الحصر كما أن المنقطع لو كان مفرغا أفاد الحصر فهنا دعويان إحديهما ان الاستثناء المنقطع الغير المفرغ لا يفيد الحصر والأخرى ان الاستثناء المنقطع المفرغ يفيد الحصر أما الأولى فالوجه فيها هو ان الحصر يتألف من عقدين إيجابي بالنسبة إلى موضوع وسلبي بالنسبة إلى ما عداه فإذا قال المتكلم ما جائني القوم الا زيد كان إفادته للحصر من جهة انّه نفى المجيء عن القوم الشامل له ولغيره ثم إذا أثبته لزيد حصل من ذلك نفى المجيء عما عدا زيد من افراد القوم وثبوته له فانحصر المجيء من بين القوم في زيد وقس عليه الحال في قولنا جائني القوم الا زيدا لأن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس على ما هو المشهور المعروف وأفاده الاستثناء للحصر مبنى عليه وهذا لا يجري في مثل ما جائني القوم إلا حمار أو ذلك لان أصل الكلام انما أفاد نفى المجيء عن القوم والاستثناء انما أفاد إثبات المجيء للحمار ولا يتأتى من مجموع المستثنى