المامقاني

273

غاية الآمال ( ط . ق )

وعلل جماعة من الأصحاب في الحر بأنه لا يدخل تحت اليد فإن كان مرادهم من ذلك أنه لا يدخل تحت اليد شرعا فهو ( كذلك ) لكن المراد في الخبر بمقتضى القواعد هو الاستيلاء العرفي ولا مدخل للشرع في ذلك مضافا إلى أنه لو أريد اليد الشّرعي لزم عدم ضمان الغاصب لأنه لا يدله شرعا على المال ولزم ضمان من له يد على المال شرعا كالأولياء وهذا عكس المدعى وبالجملة لا شبهة في أن المراد باليد العرفي وان كان مرادهم انّه لا يدخل تحت اليد عرفا فهو ممنوع إذ الحريّة والرقية أمران اعتباريان لا مدخل لهما في الصّدق العرفي فإن كل من تسلَّط على الإنسان بحيث يتصرّف فيه كيف يشاء ( يقال ) انه مسؤول عليه وهو في يده سواء كان حرا أو عبدا ولو أريد ان الإنسان من جهة استقلاله في الأمور والإرادات والتصرفات لا يدخل تحت اليد فالعبد ( كذلك ) وبالجملة لا فرق في اليد العرفي بين المملوك والحر فالأنسب ان ( يقال ) في عدم ضمانه انه غير داخل تحت دليل الضمان من جهة ان المتبادر منه المملوك سيّما بقرينة قوله ( عليه السلام ) حتّى تؤدّى ونحو ذلك فلا يشمل ما لا يقبل الملك كالحر والخمر للمسلم وامّا الخمر للكافر المسالم فهي محترمة مملوكة له على المختار فهي داخلة تحت عموم الخبر وتقييد بعضهم له بالمستتر امّا لان الإجهار يخرجها عن ملكه فيكون كالمسلم وامّا لانّه يسقط احترامها وان كانت ملكا فلا ضمان كمال الحربي وهذا هو الأقوى وبالجملة عدم الضمان فيها وفي مال الحربي انما هو لدليل من خارج والا فهي داخلة في عموم خبر على اليد لأنّها ملك حتى في الحربي انتهى ولا يخفى ما فيه لان المناط هنا في الدّخول وعدمه انما هو صدق المفهوم من الحديث عرفا ومعلوم ان مفهومه ليس الا ان ما استولى عليه الرّجل فعليه ضمانه بمعنى انه لو تلف كان عليه الخروج عن عهدته إلى حين الأداء وقد اعترف هو بان المراد باليد انما هو اليد العرفية ومن البين ان كل عين لها تعلق بشخص بواسطة تملكه له أو ثبوت حق له فيه كالأوقاف ونحوها وقد استولى عليها غيره يجرى فيها الأخذ والأداء فيجري فيها الحديث وامّا اعتبار كون المأخوذ مملوكا شرعا فلا دخل له في صدقهما وهو ممّا لا يخفى على من له أدنى خبرة بأوضاع الألفاظ العربية ومواقعها وليت شعري من أين ادعى تبادر كون المأخوذ مملوكا وليس في الأخذ والأداء إشعار بذلك و ( حينئذ ) نقول إن خمر المسلم وخنزيره من جملة مصاديق الحديث لثبوت الإضافة العرفيّة إلى المسلم الموجبة لصدق الأداء إليه المجعول غاية في الكلام وتحقق الاستيلاء المقتضى لصدق أخذ اليد و ( كذلك ) الحال في الأوقاف العامة والخاصة لثبوت الإضافة إلى الموقوف عليهم المستلزم لتحقق الأخذ والأداء إذا استولى عليها غيرهم نعم يخرج الحر بواسطة عدم قابليته للأداء من جهة عدم تحقق من يؤدّي إليه ولو عرفا لأنه لا يضاف إلى أحد بالمملوكية والاستحقاق ولو عرفا ولولا التقييد بالغاية لقلنا بان من استولى على الحر وأثبت يده عليه ضمنه لو تلف تحت يده لصدق قوله على اليد ما أخذت بالمعنى الَّذي بيناه وهو كون ضمانه عليه والخروج عن عهدته لو تلف ولكن هذا بالنّسبة إلى عينه وامّا منافعه فهي خارجة من جهة عدم قابليتها لإثبات اليد عليها كما قلنا في منافع الأموال والأعيان المملوكة بل هنا أولى ومن هنا يعلم دخول مال الحربي لولا الدليل على كونه غير محترم هذا وقد بقي الكلام في معنى قوله ( عليه السلام ) حتى تؤدّى وتحقيقه ان الغاصب إذا استولت يده على مال المالك ضمن ولا يرتفع ضمانه بمجرّد أذن المالك له في إبقائه تحت يده نعم لو أذن له في ذلك ارتفع الإثم والعدوان ولا ملازمة بينه وبين ارتفاع الحكم الوضعي أعني الضمان فهو باق لا يرتفع إلا بتسليمه إلى المالك وتأديته إليه كما هو مؤدّى الخبر المذكور نعم لو وكله المالك في التسلم من قبله فتسلم ما كان غاصبا له بعد أذن المالك وتوكيله عنه أمكن ان ( يقال ) انه ( حينئذ ) يرتفع الضمان لان يد الوكيل يد الموكل فالغاصب لكونه وكيلا الآن صار قبضه وتسلمه كتسلم المالك موجبا للبراءة ودفع الضمان واستشكال بعض الفقهاء الأواخر بأن ظاهر الحديث المذكور يقضى ببقاء الضمان ما لم يحصل التسليم إلى يد المالك خرج عنه التسليم إلى يد الوكيل إذا كان غير الغاصب بالإجماع وامّا الغاصب الوكيل فخروجه غير معلوم والأصل يقضي بالعدم مدفوع بأن أدلة الوكالة ان تمت كانت حاكمة على أدلة الضّمان ولا يبقى مجال للفرق بين الوكيل الغاصب وغيره والا لم يكن وجه لخروج الوكيل الغير الغاصب إذ ليس هو بخصوصه مورد الإجماع حتى يمتاز عن الغاصب ثمّ لا يخفى ان ( الظاهر ) من التأدية إلى المالك هو ان يجعله مستوليا عليه ومستقلا في إثبات يده عليه فكما ان مجرّد وضع اليد على ثوب الغير ليس غصبا له ( كذلك ) مجرّد وضع المالك يده على ما غصب منه من غير استيلائه عليه كما لو وضع يده على ثوبه الَّذي لبسه الغاصب فإنه ليس رافعا للضمان الحاصل بسبب الغصب ممن هو لابس له فمن غصب نقدا من أخر ثم دفعه إلى المالك لينقده كالصراف فتلف بآفة سماويّة أو أخذه ثالث من يده لم تبرأ ذمّة الغاصب بل هي مشغولة بالمغصوب والضمان باق على حاله بدلالة الحديث المذكور إذ ارتفاع الضمان فيه معلق على التأدية ومن ( الظاهر ) انه لا يصدق التأديّة إلى أحد إلا إذا استولى عليه الا ترى ان تسليم النقد إلى الصّرّاف لينقده لا يسمى تأدية إليه مضافا إلى الإجماع المستنبط من تتبع كلماتهم والى الأصل مع الإغضاء عن دلالة الحديث وقيام الإجماع فتلخص من ذلك ان الذي يوجب رفع الضمان انما هو إيصال المغصوب إلى المالك أو من في حكمه من وكيله أو وصيّه أو وليّه على نحو يكون مستوليا عليه وانه بدون الاستيلاء لا عبرة بالإيصال بل لا عبرة حقيقة إلا بالاستيلاء فلو حصل استيلاء للمالك على المغصوب ارتفع الضمان عن الغاصب سواء كان حصول ذلك الاستيلاء بإيصال الغاصب أو غيره فلو أخذه المالك من الغاصب قهرا أو بدون اطلاعه واستولى عليه ارتفع ضمان الغاصب وتبرأ ذمته وان لم يصدر منه إيصال فالمناط في حصول البراءة وسقوط الضمان عنه انما هو وصول المال إلى المالك على وجه يكون مستوليا عليه لكن يبقى الإشكال في أن هذا الحكم مطلق غير مقيّد بنوع من أنواع الوصول والاستيلاء أو مقيّد ببعض الأنواع دون بعض فان هناك أنواعا متعدّدة للإيصال والوصول إذ قد يصل المال إلى المالك بعنوان الأمانة سواء لم تكن ضمانية كالوديعة أو كانت ( كذلك ) كالعارية المضمونة أو عارية الذهب والفضة ( مطلقا ) وقد يصل إليه بعنوان التمليك الضماني كالبيع منه أو الهبة المعوضة أو الإجارة أو نحو ذلك وقد يصل إليه بعنوان التمليك المجاني كالهبة الغير المعوضة وقد يصل إليه بعنوان انه ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك فالذي اختاره الشّهيد الثاني ( قدس سره ) هو ان التسليم