المامقاني
274
غاية الآمال ( ط . ق )
التام الموجب لارتفاع الضّمان هو إيصاله إليه على الوجه الأخير واحتمل بعض الفقهاء الأواخر في هذا المقام وجوها أحدها ان يضاف إليه التمليك المجاني ( أيضا ) ( فيقال ) ان الرافع للضمان عبارة عمّا يعم الأمرين نظرا إلى أن التّسليط المجاني ( أيضا ) يتضمّن التّسليط على التصرّف كتصرف ؟ ؟ ؟ الملاك غايته ان المالك يحسب أن المال انتقل إليه بملك جديد وتوهم انه لا يكفي لأنّه قد يتصرّف المالك في ملكه الجديد بما لا يتصرّف في ملكه القديم فيكون مغرورا إن أتلفه فاسد لان مثل ذلك لا يعد من الغرور وثانيها ان يضاف إليهما التمليك الضماني دون الأمانة بقسميها وثالثها ان يضاف إلى هذه الثلاثة ( حينئذ ) الأمانة الضمانية ورابعها ان يضاف إلى الثلاثة المذكورة الأمانة بقسميها إلى غير ذلك من المحتملات ثمّ اختار ان التحقيق الَّذي يدل عليه قوله ( عليه السلام ) حتى تؤدّى هو ان كلّ واحد من تلك الأقسام يكفي في رفع الضمان فيكفي إيصاله إلى يد المالك على أي نحو كان فلو غصب مال أحد ثمّ أودعه عنده فتلف بآفة لم يكن للمالك الرّجوع عليه بشيء لارتفاع الضّمان عنه بإيصاله إليه على نحو الاستيداع عنده لصدق التأدية بذلك ولا ينحصر سقوط الضمان فيما ذكره الشّهيد الثاني ( قدس سره ) من التّصريح بان هذا ملك لك بل قد تجر الحاجة والدّواعي العادية إلى كتمان الغصب فيوصل ماله إليه بعنوان انّه هدية أو زكاة أو خمس أو عارية أو وديعة أو هبة معوضة أو بيعه منه وهكذا ولا بأس في شيء من ذلك ويسقط الضمان على جميع تلك الوجوه أخذا بظاهر الحديث المذكور ويدلّ عليه حديث التّحاكم بالسّلسلة ورفعها في الشرائع السّابقة ولكن الأقوى ان المناط في التأدية الموجبة للبراءة انما هو ما كان على الوجه المتعارف المنصرف إليه الإطلاق وانه ليس دفعه إليه بعنوان الوديعة أو العارية أداء موجبا للبراءة كما أنه ليس منه أداؤه إليه على وجه الدس في أمواله مع فرض عدم الدّاعي له إلى ذلك ولا أقل من الشّك فيبقى استصحاب الضمان سليما مضافا إلى انّ المجعول غاية للضمان هو الأداء ومع الشك فيه يشك في البراءة والأصل بقاؤه ثمّ اعلم أنه كما أن إيصال المغصوب إلى المالك يوجب سقوط الضّمان عن الغاصب ( كذلك ) إتلاف المالك أباه بدون استيلاءه عليه كما لو غصب دابة فرماها مالكها من دون علمه بأنها ماله فقتلها فإنه ( حينئذ ) تبرأ ذمّة الغاصب ويسقط ضمانه والوجه في ذلك مع أن ظاهر الحديث المذكور حصر البراءة في التأدية هو أولويّة ؟ ؟ ؟ القطعيّة المعتبرة بشهادة التتبع في خصوص المقام فلا تذهل لكن لا يخفى ان ما نجعله من الإتلاف في حكم القبض والاستيلاء الموجبين لسقوط الضمان انما هو الإتلاف الَّذي لو تعلق بغير مال المتلف لكان ضامنا له كما لو غصبه المالك بزعم انه له وأتلفه وامّا لو لم يكن ( كذلك ) بأن يكون إتلافا غير موجب للضمان كإتلاف الضّيف ما فأمه المضيف إليه من الطعام بالأكل فالتحقيق انّه لا يوجب سقوط الضمان فلو غصبه من المالك وأطعمه إياه بعنوان الضيافة ( فحينئذ ) وان استولت يد المالك على ما أكله وأتلفه بالأكل لكنه لا يوجب سقوط ضمان الغاصب لتقريره للمالك بل قد يتأكد الضمان على ذلك ويتكرر سببه بمعنى ان الثاني سبب شأني عقيب الأوّل لا بمعنى اجتماع سببين مؤثرين بالفعل على أثر واحد وذلك لأن الغصب أولا سبب لضمانه ثم تقريره للمالك حتى أكله سبب أخر في ضمانه فان الغار سبب أقوى من المغرور المباشر ولهذا يستقر الضّمان على الغار لو أكل المغرور مال ثالث بتقريره وبالجملة كما أن من غصب دابة أحد ثم قتلها تحقق هناك سببان شأني وفعلي فالأوّل هو الغصب والأخر هو الإتلاف بالقتل ( كذلك ) من غصب مال أحد ثم أطعمها من صاحبه فإنه يتحقق هناك سببان فعلى وشأني أحدهما الغصب والأخر تقريره للغير حتى أتلفه فإن هذا سبب مستقل للضمان لو لم يكن هناك غصب ومن ثم لو قال لغيره ان هذا مالي وأبحت لك أكله فأكله ضمنه وان لم يستول عليها أصلا وهذا ( ظاهر ) وقد اتضح ممّا ذكرنا ان السر في عدم ارتفاع الضمان من الغاصب فيما ذكره الشهيد ( قدس سره ) في لمعة وغيره من الفقهاء من أنه لو غصب شاة فأطعمها المالك جاهلا بكونها شاته ضمنها الغاصب له ليس هو انه ليس هناك تسليم تام لعدم التّصريح بأنه ملكه وعدم اطلاعه على أنه مملوكه كما ذكره الشّهيد الثاني ( قدس سره ) في الشرح كيف لا والتسليم هناك موجود والاستيلاء حاصل ومن ومن هنا لو أكله من دون إذن الغاصب باعتقاد انه مال الغاصب كان متلفا وسقط بذلك ضمان الغاصب لحصول الاستيلاء وان لم يعلم بكون ما وصل إليه ماله أو لحصول الإتلاف الموجب لسقوط الضمان بطريق أولى فافهم بل السر في أن ذلك التقرير سبب أخر في الضمان فكيف يكون سببا في رفعه والسر في كون التقرير سببا للضمان ان الغار يضمنه لتسبّبه للإتلاف بل هو أقوى من المباشر ولذا يستقر الضمان عليه ويرجع المغرور عليه لكن فيه تأمّل إذ لا نسلم كونه سببا أقوى بل المباشر أقوى لكونه فاعلا مختارا غير مضطر وقوّة السّبب انما تحقق فيما لو ضعف المباشر بحيث يكون كالآلة للسّبب وهنا ليس ( كذلك ) ومن هنا ينقدح اعتراض أخر على الشّهيد الثاني فالتحقيق ان السر في كونه سببا للضمان هي القاعدة الناطقة بأن المغرور يرجع على من غرّه بل ( الظاهر ) ان ذلك الكلام مروي وهو الوجه في استقرار الضمان على الغار إذا كان المغرور متصرّفا في ملك الغير هذا ولو باعه ماله الَّذي غصبه منه وشرط عليه إتلافه كما لو باعه حنطته المغصوبة منه وشرط عليه إحراقه اليوم فاشتراه فأحرقه فهل هذا أيضا في حكم الغرور ومن أقسامه حتى لا يوجب سقوط الضمان بل يؤكده أم لا فيه اشكال ولا يبعد ترجيح الأوّل لصدق الغرور على مثله عرفا قوله ويدل على الحكم المذكور أيضا قوله ( عليه السلام ) في الأمة المبتاعة إذا وجدت مسروقة بعد ان أولدها المشتري أنه يأخذ الجارية صاحبها ويأخذ الرّجل ولده بالقيمة فإن ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماء لم يستوفه المشترى يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى وليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل احداث نمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا المتلف لما كان الاستدلال بالحديث موقوفا على أن لا يكون هناك سبب للضمان غير اليد وقد كان يحتمل ان ( يقال ) في المقام ان الضّمان هنا له سبب أخر وهو الإتلاف حيث إنه أتلف الولد على المالك بمعنى أنه أخرجه عن تحت سلطنته بالحرية أراد ( رحمه الله ) إتمام الاستدلال بان ما في الحديث انما هو من باب التالف لا من باب ما أتلفه الرّجل لأن الإتلاف عبارة عن أفناء ما كان موجودا وليس الحال فيما نحن فيه على هذا المنوال لأنه أوجد النماء بإلقاء النطفة في رحمها غاية ما في الباب انه أوجد النماء غير قابل للملك من أول وجوده حيث القى في رحمها