الشهيد الثاني
185
الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية
أشار تعالى بقوله : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَده ) * ( 1 ) ، وقوله تعالى : * ( والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) * ( 2 ) . ف « الاسترشاد به » إشارة إلى الجنس الأول ، وهو واضح . و « الاعتصام » إلى الثاني ، فإنّ أصله الامتناع بالشيء ( 3 ) ، ولا شكّ أنّ نصب الأدلَّة وإقامة السبل الفارقة بين الحقّ والباطل والصلاح والفساد عصمة لمن تمسّك بها من الهلكة وجنّة له من الضلالة . و « الاستزادة في المعرفة » إلى الثالث ، فإنّ العقل وإن كان دليلا على اللَّه تعالى بآثاره الظاهرة وآياته الباهرة المتظافرة ، إلَّا أنّ الأنبياء والرسل عليهم السلام والكتب المطهرة تهدي للتي هي أقوم ، وتزيد في المعرفة على الوجه الأتمّ وترشد إلى ما لا يفي العقل بدركه . و « الإقرار بعظمته وكبريائه » إلى المقام الرابع ، فإنّ من ارتقى إلى تلك الغاية ، ووصل إلى شريف تلك المرتبة ، وانغمس في أنوار تلك الهيبة ، واغترف من أسرار تلك البحار الإلهيّة ، اعترف بمزيد الكبرياء والعظمة ، بل اضمحلّ وفني في تلك المرتبة ، وعرف أنّ كلّ شيء هالك إلَّا وجهه ، فإذا طلب العارف الهداية إلى الصراط المستقيم ، فمطلبه هذه المنزلة ، لتمكَّنه ممّا سبق والناس فيها على حسب مراتبهم ، والصراط المستقيم المستوي مشترك بين الجميع . ( و ) إذا توجّه المصلَّي إلى ذلك الجناب العليّ وسأل ذلك المطلب السنيّ فليترقّ إلى استحضار ( التأكيد في السؤال والرغبة والتذكير ، لما تقدّم من نعمه على أوليائه ، وطلبه مثلها عند ) قوله : ( صراط الَّذين أنعمت عليهم ) من النّبيين والصدّيقين والصالحين . وإنّما طلب الهداية إلى سلوك طريق المذكورين ، التي هي نعم أخروية أو ما كان وسيلة إليها ، صرفا لما سواها من النعم الدنيوية عن درجة الاعتبار ، وتحقيقا وتفخيما
--> ( 1 ) « الأنعام » 6 : 90 . ( 2 ) « العنكبوت » 29 : 69 . ( 3 ) « المصباح المنير » 414 ، « عصم » .