محمد أمين الإسترآبادي / السيد نور الدين العاملي
283
الفوائد المدنية والشواهد المكية
يشهد بذلك من تتبّع كلامَه في كتاب الأُصول وفي كتاب المعتبر وكلام غيره من المتأخّرين . وتحقيق كلامه : أنّ المحدّث الماهر إذا تتبّع الأحاديث المرويّة عنهم ( عليهم السلام ) في مسألة لو كان فيها حكم مخالف للأصل لاشتهر لعموم البلوى بها ولم يظفر بحديث يدلّ على ذلك الحكم ، ينبغي أن يقطع قطعاً عادياً بعدمه ، لأنّ جمّاً غفيراً من أفاضل علمائنا أربعة آلاف منهم تلامذة الصادق ( عليه السلام ) - كما مرّ نقله عن كتاب المعتبر ( 1 ) - كانوا ملازمين لأئمّتنا ( عليهم السلام ) في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة ، وكان همّهم وهمّ الأئمّة ( عليهم السلام ) إظهار الدين عندهم وتأليفهم كلّ ما يسمعونه منهم في الأُصول ، لئلاّ تحتاج الشيعة إلى سلوك طرق العامّة ولتعمل بما في تلك الأُصول في زمن الغيبة الكبرى فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة ( عليهم السلام ) لم يضيّعوا من كان في أصلاب الرجال من شيعتهم - كما تقدّم في الروايات المتقدّمة ( 2 ) - ففي مثل تلك الصورة يجوز التمسّك بأنّ نفي ظهور الدليل على حكم مخالف للأصل دليل على عدم ذلك الحكم في الواقع ، مثاله : نجاسة أرض الحمّام ، ونجاسة الغسالة ، ووجوب قصد سورة معيّنة عند قراءة البسملة ، ووجوب نيّة الخروج من الصلاة بالتسليم ، وقد نقل عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما يدلّ على ما ذكرناه حيث قال لمحمّد بن الحنفية ما مضمونه : لو سُئلت عن دليل على وحدة الإله فقل : لو كان إله آخر لظهر منه أثر ( 3 ) . وأقول : تحقيق المقام أنّ الأُصوليّين والكلاميّين والمنطقيّين يسمّون تلك المقدّمة وأمثالها بالقطعيات العادية ، يشهد بذلك من تتبّع شرح العضدي للمختصر الحاجبي وشرحي المواقف والمقاصد . ولا يجوز التمسّك به في غير تلك المسألة المفروضة إلاّ عند العامّة القائلين بأنّه ( صلى الله عليه وآله ) أظهر عند أصحابه كلّ ما جاء به وتوفّرت الدواعي على أخذه ونشره وما خصّ أحداً بتعليم شيء لم يظهره عند غيره ولم تقع بعده ( صلى الله عليه وآله ) فتنة اقتضت إخفاء بعض ما جاء به ( صلى الله عليه وآله ) .
--> ( 1 ) راجع ص 168 . ( 2 ) راجع ص 213 . ( 3 ) انظر نهج البلاغة : 396 ، من وصيّة له ( عليه السلام ) للحسن ( عليه السلام ) .