محمد أمين الإسترآبادي / السيد نور الدين العاملي
279
الفوائد المدنية والشواهد المكية
لا يقال : بقي أصل آخر ، وهو أن يكون الخطاب الّذي ورد من الله تعالى موافقاً للبراءة الأصلية . لأنّا نقول : هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب ، وذلك لأنّ خطابه تعالى تابع للحكم والمصالح ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة ، قد يكون إيجاباً ، وقد يكون تحريماً ، وقد يكون تخييراً ، وقد يكون غيرها لا يعلمها إلاّ هو جلّ جلاله . ونقول : هذا الكلام في قبحه نظير أن يقال : الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل والعلو ، ومن المعلوم بطلان هذا المقال . ثمّ أقول : الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الأُمور في ثلاثة : " أمر بيّن رشده وأمر بيّن غيّه وشبهات بين ذلك " ( 1 ) وحديث " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ( 2 ) ونظائرهما أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها بيّناً عن البراءة الأصلية وأوجب التوقّف فيها . ورأيت في آخر جمع الجوامع وشرحه من كتب أُصول الشافعية حكاية حسنة في هذا المقام فاستمع لها ، ففي جمع الجوامع : إذا خطر لك أمر فزنه بالشرع ، فإن كان مأموراً فبادر فإنّه من الرحمن ، وإن كان منهيّاً فإيّاك فإنّه من الشيطان ، وإن شككت أمأمور أو منهيّ فأمسك ( 3 ) . وفي شرح الفاضل بدر الدين الزركشي ( 4 ) له : القسم الثالث أن نشكّ في كونه مأموراً أو منهيّاً ، فالواجب الامساك عنه لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وإنّما اقتصر المصنّف على هذه الأحوال الثلاثة ، لأنّها قطب العلم وعليها تدور رحى العمل . وقد بلغني عن بعض الأئمّة : أنّه رأى في ابتداء أمره في المنام أنّه حضر الجامع فوجد فيه متصدّراً فجلس ليقرأ عليه ، فقال : كيف تقرأ عليَّ وقد علّمك الله المسائل الثلاث ؟ فانتبه وأتى معبّراً ، فقال : اذهب فستصيرُ أعلم أهل زمانك ، فإنّ المسائل الثلاث الّتي أشار إليها أُمّهات العلم في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أُمور مشتبهات . . . الحديث . انتهى كلامه .
--> ( 1 ) معاني الأخبار : 196 . ( 2 ) عوالي اللآلي 1 : 394 ، ح 40 . ( 3 ) كذا ، والعبارة مشوّشة . ( 4 ) تشنيف المسامع في شرح جمع الجوامع في أُصول الفقه ، لأبي عبد الله محمّد بن بهادر بن عبد الله التركي المصري المنهاجي ، المتوفّى سنة 794 ، ولا يوجد عندنا هذا الشرح .