أحمد بن أعثم الكوفي
342
الفتوح
حتى دخل على امرأتيه فودعهم ، ثم خرج من عندهم يريد إلى أمه ليودعها ، فإذا بها قد استقبلته ومعها درج فيه حنوط وطيب وكافور ، فلما نظر إليها دنا فقبل بين عينيها ، ثم بكى إليها وعزاها وصبرها ، فقالت له : يا بني ! اجمع عليك ثيابك ، واشدد عليك إزارك وأعقد تكتك إلى ورائك ، ولا تجمع على نفسك أمرين ، الظفر بدمك والجدل بجزعك ، ولكن عليك بالصبر ، فإنه من شيم آبائك . قال : فتبسم عبد الله بن الزبير ثم قال : الحمد لله الذي وهب لك يا أماه بجميل الصبر ما أرى أنهم يقتلونني فيما قد شحنت صدورهم خنقا وتركت جموعهم فرقا ( 1 ) . قال : ثم ودعها وأقبل إلى المسجد الحرام ، فإذا القوم قد استقبلوه بالسيوف والرماح ، فحمل عليهم حملة فكشفهم ، ثم دخل المسجد الحرام واجتمع ( 2 ) إليه أصحابه ، ودخل ( 2 ) إليه أصحاب الحجاج من جميع أبواب المسجد ، فلم يزل يقاتلهم حتى بقي في سبعين رجلا ، ثم قاتلهم حتى بقي في ثلاثين رجلا ( 3 ) . قال : وتكاثروا عليه من كل جانب ، واعتوره رجلان من أهل الشام ، فضربه أحدهما بسيفه فأوهنه ، وضربه الآخر على رأسه فسقط ، وتكاثرت عليه السيوف حتى قتل ( 4 ) . قال : وكبر أصحاب الحجاج بقتله ، فسمعت أمه التكبير فقالت : قتل والله ابني عبد الله ! فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فقد أحسن ابني حين لم يعط بيده ولم يبع القوم دينه . قال : وحمل أصحاب الحجاج على من بقي من أصحاب عبد الله بن الزبير ، فقتلوا عن آخرهم في المسجد الحرام ، ثم جزوا بأرجلهم حتى أخرجوا عن المسجد سحبا ، وأمر بعبد الله بن الزبير فصلب منكسا وأمر برأسه فحمل إلى عبد الملك بن مروان ، وكتب إليه يخبره بالخبر على جهته . قال أهل العلم : فكان مقتل عبد الله بن الزبير يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى ( 5 ) سنة ثلاث و [ سبعين ، وله نيف و - ] سبعون سنة ( 6 ) -
--> ( 1 ) انظر مقابلته لأمه وما جرى بينهما من حديث الطبري 6 / 188 ومروج الذهب 3 / 136 والإمامة والسياسة 2 / 39 . ( 2 ) الأصل : واجتمعوا . . . ودخلوا . . . ( 3 ) الأصل : رجل . ( 4 ) في ابن الأثير 3 / 73 قتله رجل من مراد . ( 5 ) في الطبري يوم الثلاثاء 17 جمادى الأولى وفي الأخبار الطوال وتاريخ خليفة وتاريخ الإسلام للذهبي فكالأصل وفي ابن الأثير : يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة . وفي مروج الذهب : يوم الثلاثاء ل 14 ليلة خلت من ربيع الأول .