أحمد بن أعثم الكوفي
343
الفتوح
والله أعلم . وأقبل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم حتى وقف حذاء عبد الله بن الزبير ، فنظره مصلوبا منكسا فتأمله ساعة وبكى واستغفر له وقال : والله يا ابن الزبير لئن علتك رجلاك اليوم فطال ما قمت عليها في ظل الليل بين يدي ربك ، وإني لأسمع قوما يزعمون أنك شر هذه الأمة ، ولقد أفلحت أمة أنت شرها . قال : وانصرف عبد الله بن عمر إلى منزله ، وأقبلت إليه أمه في اليوم الثالث حتى وقفت قبالته ثم بكت وقالت : اللهم ! إني راضية عنه فارض عنه ، ثم أقبلت حتى دخلت على الحجاج ( 1 ) فوقف عليه ثم قالت : يا حجاج ! أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فقال الحجاج : أما روحه فإلى مالك ، وأما جثمانه ففي طريق البلاء . فقالت : كذبت يا حجاج ! إن الله تبارك وتعالى في ذلك أعدل من أن يجمع على ابني سيف القاسطين وثأر الظالمين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يكون في أمتي رجلان : أفاك ومبير ( 2 ) ، فأما الأفاك فصاحبك عبد الملك بن مروان ، وأما المبير فأنت يا حجاج ! فقال : صدقت يا أسماء أنا مبير المنافق ، فقالت : علمك شاهد عليك ! ثم ولت وهي باكية ، فرق لها الحجاج وأمر بابن الزبير فنزل عن خشبته وحمل إليها ، فأمرت به فصب عليه الماء وحنط وكفن وصلي عليه ودفن . قال : وهرب عروة بن الزبير من الحجاج فصار إلى عبد الملك بن مروان مستأمنا إليه فآمنه وأكرمه ، وبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان : أما بعد يا أمير المؤمنين ! فإن عامة أموال عبد الله بن الزبير عند أخيه عروة وقد التجأ إلى أمير المؤمنين ، ولست أقدر على شيء من أموال عبد الله إلى أن يوجه لي أمير المؤمنين بعروة من الزبير - والسلام - . قال : فهم عبد الملك بن مروان أن يسلم عروة بن الزبير إلى الحجاج ( 3 ) ، ثم إنه استحيا من ذلك وتذمم أن يكون يسلم رجلا قد التجأ إليه ،
--> ( 6 ) زيادة عن تاريخ الإسلام . وفي مروج الذهب وتاريخ اليعقوبي : وله 71 سنة . وفي تاريخ خليفة : ولد عام الهجرة . ( 1 ) انظر مقابلة أسماء - أم عبد الله بن الزبير - للحجاج في مروج الذهب 3 / 138 وابن الأثير 3 / 76 . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه 44 كتاب فضائل الصحابة 58 باب ح 229 ص 1971 ومسند أحمد 2 / 26 وانظر مروج الذهب 3 / 138 وفيه : يخرج من ثقيف كذاب ومبير ، فأما الكذاب فهو المختار ، وأما المبير فما أظنك إلا هو . ( 3 ) في الأخبار الطوال ص 316 فقال عروة ( لما أمر عبد الملك أحد حراسه : انطلق بعروة إلى الحجاج ) : يا بني مروان : ما ذل من قتلتموه ، بل ذل من ملكتموه . فندم عبد الملك ، وخلى سبيل عروة .