أحمد بن أعثم الكوفي
341
الفتوح
قال : فلما نظر عبد الله بن الزبير إلى ما نزل ببيت الله الحرام خرج إلى القوم في أصحابه ، فجعل يقاتل حتى قتل من القوم جماعة ، ثم حمل عليه أصحاب الحجاج حتى ألجأوه إلى المسجد الحرام ، وأمر الحجاج فأخذت الأبواب على عبد الله بن الزبير . قال : فعندها التفت عبد الله بن الزبير إلى أصحابه وهم أقل من ثلاثمائة رجل فقال : من منكم يكره الموت فليلحق بالقوم وهو في حل من بيعتي ! فقال له عبد الله بن مطيع العدوي : لا والله ما كنت أفعل ذلك ولم يتحدث العرب عني بهذا أبدا فقال له عبد الله بن الزبير : وصلتك رحم يا بن أخ . قال : ثم أقبل عليه عبد الله بن عمير الليثي فقال : يا بن حواري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! لا والله ! لا كان ذلك أبدا . قال : فعندها خرج عبد الله بن الزبير إلى القوم فجعل يحمل عليهم ، فقتل الواحد بعد الواحد قتل منهم جماعة ، وقتل من أصحابه أيضا كذلك . قال : وجعل عبيد الله بن مطيع يكر على أصحاب حجاج وهو يرتجز ويقول : أنا الذي فررت يوم الحرة * والألح لا يهرب ( 1 ) إلا مرة ما أحسن الكرة بعد الفرة * وأقبح الفرة بعد الكرة ( 2 ) قال : فلم يزل القوم على ذلك حتى أمسوا ، وأمر الحجاج أصحابه أن لا يزالوا عن أبواب المسجد وأن يحرسوا عبد الله بن الزبير لكيلا يهرب . قال : وجعل عبد الله بن الزبير يطوف ليلته تلك بالبيت الحرام ، وأخوه عروة يطوف معه وهو يقول : يا أمير المؤمنين ! أنشدك الله في نفسك أن تتلفها ، فقد قضيت ما عليك ، وقد قاتلت حتى أبليت عذارا . قال : وعبد الله بن الزبير ساكت ( 3 ) لا يجيبه بشيء ، حتى إذا أسفر الصبح تقدم إلى المقام فأذن وصلى بمن بقي معه من أصحابه فقرأ بهم الركعة الأولى بأم الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية بأم الكتاب وسورة الإخلاص ( 4 ) . فلما انفتل من صلاته وثب فخرج من باب المسجد مناوشا لأصحاب الحجاج
--> ( 1 ) في ابن الأثير 3 / 72 : والحر لا يفر . ( 2 ) في ابن الأثير : واليوم أجزي فرة بكره . ( 3 ) الأصل : ساكتا . ( 4 ) في الطبري 6 / 191 وأقام المؤذن فصلى بأصحابه ، فقرأ ( ن والقلم ) حرفا حرفا ثم سلم .