أحمد بن أعثم الكوفي

340

الفتوح

قدحت عن شعل الحزم لما جعل الله عندك من وفور البصيرة ، أما إنهم لو كانوا يطلبون مني ما يطلبون لإصلاح الأمة وتثبيت الألفة إذا لأجبتهم إلى ما يريدون ولو كان فيه موتي وفرجي وذهاب نفسي ، ولكني رأيتهم قد شنوا علي مغار التعدي وسعوا إلي في سنن الظلم والعدوان ، وفي موادعتي إياهم ذم العرب وعار الأبد ، ولكني أقاتلهم في الله محتسبا ، فإن أبلغ بقتالي إياهم ظفرا فذاك الذي أريد ، فإنما طلبت العدل للرعية ، وإن تؤخرني الأسباب فلا أكون صريع الارتياب . قال : وعلم الحجاج أن ابن الزبير ليس يجيبه إلى شيء ، فأمر أصحابه فتفرقوا عليه من كل وجه : من ذي طوى ، ومن أسفل مكة ، ومن قبل الأبطح ، فاشتد الحصار على عبد الله بن الزبير وأصحابه ، فنصبوا المجانيق ( 1 ) وجعلوا يرمون البيت الحرام بالحجارة ، وهم يرتجزون بالأشعار ( 2 ) . قال : وجعلت الحجارة لا تهد لكنها تقع في المسجد الحرام كالمطر ، وكان ( 3 ) رماة المنجنيق إذا هم ونوا وسكتوا ساعة فلم يرموا يبعث إليهم الحجاج فيشتمهم ويتهددهم بالقتل ، فأنشأ بعضهم يقول في ذلك أبياتا مطلعها : لعمر أبي الحجاج لو خفت ما أرى * من الأمر ما أمست تعذلني نفسي إلى آخرها . قال : فلم يزل الحجاج وأصحابه يرمون بيت الله الحرام بالحجارة حتى انصدع الحائط الذي على بئر زمزم عن آخره . قال : وانتقضت الكعبة من جوانبها . قال : ثم أمرهم الحجاج فرموا بكيزان النفط والنار ، حتى احترقت الستارات كلها فصارت رمادا ، والحجاج واقف ينظر في ذلك كيف تحترق الستارات ، وهو يرتجز ويقول : أما تراها ساطعا غبارها * والله فيما يزعمون جارها فقد وهت وصدعت أحجارها * ونفرت منها معا أطيارها وحان من كعبته دمارها * وحرقت منها معا أستارها لما علاها نفطها ونارها

--> ( 1 ) الأصل : المناجنيق . ( 2 ) وكان الحجاج استعمل على المنجنيق ابن خزيمة الخثعمي فجعل يرمي أهل المسجد ويقول : خطارة مثل الفنيق الملبد * نرمي بها عواذ أهل المسجد ( 3 ) بالأصل : كانوا .