أحمد بن أعثم الكوفي
339
الفتوح
قال : فعندها قام الحجاج فيهم خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أعوان الحق ! إن الله تبارك وتعالى قد أعزكم بالطاعة ، وخصكم بها دون غيركم ، وقد علمتم ما عليه عبد الله بن الزبير بن شق العصا والخلاف على أمير المؤمنين ، وقد ألحق في الحرم وسفك فيه الدم ، ونحن سائرون إليه غدا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . قال : فلما كان الغد نادى الحجاج في الناس بالرحيل نحو مكة وذلك يوم الثلاثاء ، وأقبل حتى نزل بالأبطح ( 1 ) . وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير ، فخرج إليه في أهل مكة وغيرهم ممن بايعه قبل ذلك ، ودنا القوم بعضهم من بعض ، فاقتتلوا يومهم ، فلما أمسوا انصرف الحجاج إلى بئر ميمون بن سعيد الحضرمي فنزل هنالك ، وانصرف عنه عبد الله بن الزبير . فلما كان من الغد زحف ( 2 ) القوم بعضهم إلى بعض فاقتتلوا ، ودام الحرب بينهم أياما كثيرة . وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان ، فكتب إلى الحجاج : أما بعد فقد بلغني ما كان من محاربتك لعبد الله بن الزبير ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فابعث إليه واسأله الدخول في طاعتي وأعطه الأمان ، فإن هو قبل ذلك فاحمله إلي مكرما ، وإن أبى فجد في حربه ، ولا تقصرن فيما كتبت به إليك - والسلام - . فلما ورد كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج وقرأه بعث به إلى عبد الله بن الزبير ، قال : فقرأ عبد الله بن الزبير كتاب عبد الملك بن مروان ، فأقبل حتى دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فأخبر بما كتب به عبد الملك بن مروان إلى الحجاج ، فقالت له أمه : يا بني ! إنك قد ناديت القوم بالمنافرة وأسرعت لهم المدافعة ، وغير هذا كان أخصب جنابا لعيشك ، فأما إذ كنت لا تريد أن تكون ذنبا لبني أمية فاجعل الثقة بالله حشو قلبك ولا تحتجرن على بغي يوبقك مصدره - والسلام - . قال : فقال عبد الله : أحسنت يا أماه ! وفقك الله وسددك ، فقد
--> ( 1 ) الأبطح بين مكة ومنى ، المسافة منه إليهما واحدة . ( 2 ) الأصل : زحفوا .