أحمد بن أعثم الكوفي

298

الفتوح

قال : وسار قيس بن هبيرة على مقدمة المسلمين حتى وافى قرماسين وبها يومئذ قائدان عظيمان من قواد الأعاجم ، أحدهما شادوه بن آزاد مرد الذي هرب من حلوان ، والآخر مهرويه بن خسروان فهما جميعا في عشرين ألفا من الفرس ، فلما أن علما أن خيل المسلمين قد شارفت أرض قرماسين خرجا هاربين عنها حتى نزلا بموضع يقال له ماذران ( 1 ) ، ودخل قيس بن هبيرة إلى قرماسين فنزلها ، قال : وكانت قرماسين مصلحة للفرس ومنتزها لكسرى ( 2 ) ، قال : وسار النعمان بن مقرن من حلوان حتى نزل قرماسين ، وبلغ ذلك الفرس ممن كان خارجا عن أرض نهاوند فامتلأت قلوبهم خوفا ورعبا ، ثم إنهم تفلتوا من جميع المواضع حتى صاروا إلى نهاوند فاحتشدوا بها ، ثم إنهم اجتمعوا وتحالفوا وتعاقدوا على أنهم لا يفرون أبدا دون أن يبيدوا العرب عن آخرهم . قال : وسار النعمان بن مقرن في جميع المسلمين حتى نزل بأرض ماذران ، ثم دعا بهذين الرجلين بكير بن شداخ الليثي وطليحة بن خويلد الأسدي ( 3 ) فأرسلهما جميعا نحو أرض نهاوند وأمرهما أن يتجسسا الاخبار عن الفرس ، فمضيا جميعا ، فأما بكير بن شداخ فإنه رجع إلى المسلمين ، وأما طليحة بن خويلد فإنه مضى نحوه حتى تقارب من أرض نهاوند ( 4 ) وتعرف أخبار الفرس ثم رجع ، فلما دخل العسكر كبر المسلمون من كل ناحية ، فقال طليحة : ما هذا التكبير ؟ فقالوا : إنك قد أبطأت علينا فظننا والله أنك قد رغبت عن دين الاسلام وصرت إلى دين هؤلاء الأعاجم ( 5 ) ، قال : فغضب طليحة بن خويلد من ذلك ثم قال : سبحان الله العظيم ، أو يحسن هذا بمثلي ؟ والله ! أن لو لم يكن لي دين أعتمد عليه إلا أني عربي فقط لما كنت بالذي

--> ( 1 ) عن معجم البلدان ، وبالأصل ( ماردان ) وبين ماذران وهمذان مرحلة وبينها وبين الدينور أربعة فراسخ . وقد صححت أينما وقعت في الخبر . ( 2 ) قال ياقوت في قرميسين : لم يجد ( قباذ ) فيما بين المدائن إلى بلخ بقعة على الجادة أنزه ولا أعذب ماء ولا نسيما من قرميسين ، فأنشأ قرميسين وبنى لنفسه بها بناء معتمدا على ألف كرم وبها قصر شيرين والطاق . ( 3 ) في الطبري 4 / 232 وابن الأثير 2 / 182 والبداية والنهاية 7 / 123 أرسل النعمان طليحة بن خويلد وعمرو بن معدي كرب وعمرو بن أبي سلمى وهو ابن ثنى . ( 4 ) وكان بين موضع المسلمين الذي هم به ونهاوند بضعة وعشرون فرسخا . ( 5 ) وكان طليحة ممن ارتد بعد وفاة رسول الله ( ص ) ، ثم راجع الاسلام وحسن إسلامه .