أحمد بن أعثم الكوفي
299
الفتوح
اختار هؤلاء الأعاجم على العرب ، فكيف وقد هداني الله عز وجل إلى دين الاسلام وعرفني فضله ! قال : وسار المسلمون يريدون نهاوند ، قال : وبلغ ذلك أهل نهاوند فأرسلوا الماء في أرضهم لكي يمنعوا بتلك المياه المسلمين ، قال : فلم يغن ذلك من قضاء الله عز وجل فيهم شيئا ، قال : وسار المسلمون حتى نزلوا في الموضع الذي يقال له قبور الشهداء ( 1 ) ، فنزلوا هنالك وضربوا عسكرهم ، وبلغ ذلك الفرس فألقوا حسك الحديد حول نهاوند فحصنوها بتلك الحسك ، قال : ودعا النعمان برجل من أشد أصحابه يقال له محمد بن زكار الخثعمي ، فقال له : ويحك يا محمود ! أحب منك أن تنطلق نحو حصن هؤلاء القوم فتنظر إليه وتأتيني بخبره ، فقد بلغني أنه حصن حصين وأنه مشرف على قلعة لهم في الهواء ، فقال محمود بن زكار : أيها الأمير ! قد بلغني ذلك وهذا نهار فإذا كان الليل انطلقت فأتيتك بخبر القلعة إن شاء الله ولا قوة إلا بالله . قال : فلما كان الليل واختلط الظلام عمد محمود بن زكار هذا إلى فرسه فأسرجه وألجمه ثم صب عليه درعه وتقلد بسيفه واعتم بعمامته واستوى على فرسه وتناول رمحه ومضى ، فلم يزل يسير حتى إذا أشرف على قلعة نهاوند وقد جعل يسمع أصوات الحرس على سورها من كل ناحية ونيرانهم تأجج ، قال : وإذا بفرسه قد قام وليس يتقدم ولا يتأخر ، فحركه فلم يتحرك فإذا قد علق يده واتقى منها ، قال : فنزل محمود بن زكار عن فرسه ثم ضرب بيده إلى الفرس فقلب حافره فإذا بحسكة حديد قد دخلت في حافره ، فنزعها وركب فرسه ثم رجع إلى النعمان بن مقرن فخبره بذلك ، ثم قال : أيها الأمير ! إن أرضهم كلها مفروشة بهذا الحسك يطرحونه في الليل ويرفعونه بالنهار ، قال : وأصبح المسلمون فعبوا تعبيتهم . ذكر وقعة الفرس وقتل النعمان . قال : وساروا يريدون أرض نهاوند فإذا هم بأوائل خيل الفرس وافت وقد استقبلوهم بالعطعطة والنعير يقدم بعضهم بعضا ، ثم إنهم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا وفشت الجراحات في المسلمين حتى وقعت الهزيمة على الفرس وتبعهم المسلمون
--> ( 1 ) قال ياقوت هي قبور قوم من العرب استشهدوا في صدر الاسلام .