أحمد بن أعثم الكوفي
557
الفتوح
قد كاد أن يندرس ، فأخذه علي وقبله ثم دفعه إلى الراهب ، فقال : أقرأه علي ! فقرأه الراهب على علي رضي الله عنه ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما سطر ، أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ، ويدلهم على سبيل الرشاد ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، لا يجزي السيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحامدون الذين يحمدون الله على كل حال في هبوط الأرض وصعود الجبال ، ألسنتهم مذللة بالتسبيح والتقديس والتكبير والتهليل ، ينصر الله هذا النبي على من ناواه ، فإذا توفاه الله اختلفت أمته من بعده ، ثم يلبثون بذلك ما شاء الله ، فيمر رجل من أمته بشاطئ هذا النهر ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، يقضي بالحق ولا يرتشي في الحكم ، الدنيا عليه أهون من شرب الماء على الظمآن ، يخاف الله عز وجل في السر وينصح الله في العلانية ، ولا يأخذه في الله لومة لائم ، فمن أدرك ذاك النبي فليؤمن به ، فمن آمن به كان له رضوان الله والجنة ، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإنه وصي خاتم الأنبياء ، والقتل معه شهادة . قال : ثم إنه أقبل هذا الراهب على علي فقال : يا أمير المؤمنين ! إني صاحبك لا أفارقك أبدا حتى يصيبني ما أصابك ، قال : فبكى علي رضي الله عنه ثم قال : الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار . قال : ثم سار وهذا الراهب معه ، فكان يتغدى ويتعشى مع علي ، حتى صار إلى صفين ، فقاتل فقتل ، فقال علي لأصحابه : اطلبوه ! فطلبوه فوجدوه ، فصلى عليه علي رضي الله عنه ودفنه واستغفر له ، ثم قال : هذا منا أهل البيت . ثم رجعنا إلى الحديث . قال : ثم سار علي رضي الله عنه حتى دخل الرقة ، وجد أهلها يومئذ العثمانية وهواهم مع معاوية ، فلما نظروا إلى خيل علي رضي الله عنه قد وافتهم غلقوا باب المدينة وتحصنوا فيها . قال : فنزل علي رضي الله عنه على شاطئ الفرات ثم كتب إلى معاوية ( 1 ) : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر ، أما بعد ! فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل وعرفوا بالتأويل وتفقهوا في الدين ، فبين الله فضلهم في القرآن العظيم ،
--> ( 1 ) نسخته في وقعة صفين ص 150 .