أحمد بن أعثم الكوفي
556
الفتوح
الناس أن ( هلموا إلى الماء ) قال : فورد الناس فنزلوا وشربوا وسقوا ما معهم من الظهر ، وملأوا أسقيتهم ، وحملوا من الماء ما أرادوا ، ثم حمل على الصخرة وهو يحرك شفتيه بمثل كلامه الأول حتى رد الصخرة إلى موضعها . ثم سار حتى نزل في الماء الذي أرادوا وإذا ماؤه متغير ، فقال علي رضي الله عنه لأصحابه : أفيكم من يعرف مكان الماء الذي يتم عليه ؟ فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فانطلقوا إليه ، فطلبوا مكان الصخرة فلم يقدروا عليه ، فانطلقوا إلى الراهب فصاحوا به : يا راهب ! فأشرف عليهم ، فقالوا : أين هذا الماء الذي هو بالقرب من ديرك ؟ فقال الراهب : إنه ما بقربي شيء من الماء ، فقالوا : بلى ! قد شربنا منه نحن وصاحبنا ، وهو الذي استخرج لنا الماء وقد شربنا منه ، فقال الراهب : والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء ، وإن لي في هذه الصومعة منذ كذا سنة ما علمت بمكان هذا الماء ، وإنها عين يقال لها عين راحوما ( 1 ) ، ما استخرجها إلا نبي أو وصي نبي ، ولقد شرب منها سبعون نبيا وسبعون وصيا . قال : فرجعوا إلى علي رضي الله عنه فأخبروه بذلك ، فسكت ولم يقل شيئا . ثم رجعنا إلى الخبر . قال : ثم سار من منزله ذلك حتى نزل بمدينة هيت ( 2 ) ، ورحل منها حتى نزل بموضع يقال [ له ] الأقطار ، فبنى هنالك مسجدا ، والمسجد ثابت إلى يومنا هذا . ثم إنه عبر الفرات وشق البلاد حتى خرج إلى بلاد الجزيرة ، ثم سار يريد الرقة حتى نزل بموضع يقال له البليخ ( 3 ) ، فنزل هنالك على شاطئ نهر البليخ . خبر الراهب ونزوله من صومعته إليه . قال : ونظر إليه راهب قد كان هنالك في صومعة له ، فنزل من الصومعة وأقبل إلى علي رضي الله عنه ، فأسلم على يده ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ! إن عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا ، يذكرون أن عيسى ابن مريم عليه السلام كتبه ، أفأعرضه عليك ؟ قال علي رضي الله عنه : نعم فهاته . فرجع الراهب إلى الصومعة وأقبل بكتاب عتيق
--> ( 1 ) كذا ، ولم نجدها . ( 2 ) هيت : بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار . ( 3 ) البليخ : موضع قرب الرقة على جانب الفرات . والبليخ نهر بالرقة يجتمع فيه الماء من عيون .