أحمد بن أعثم الكوفي
555
الفتوح
آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين * ) ( 1 ) هؤلاء قوم كانوا وارثين فأصبحوا موروثين ، لم يشكروا النعمة فحلت بهم النقمة وسلبوا دنياهم بالمعصية ، فإياكم وكفر النعمة ! لا تحل بكم النقم . ثم سار حتى نزل الأنبار ، فإذا أهلها قد أقبلوا يقودون البراذين وقد حملوا إليه الأطعمة والعلوفة ، فقال لهم علي : ما هذه الدواب التي نراها معكم ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين ! هذا خلق منا نعظم بها الامراء وهي هدية منا إليك ، وهذا طعام اتخذناه لك ولأصحابك ، فقال لهم علي رضي الله عنه : أما الدواب فإننا نأخذها منكم ونحسبها لكم من خراجكم ، وأما الطعام فإننا لا نقبله منكم إلا بثمن ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! فإن لنا في أصحابك معارف ، فأذن لنا أن نهدي لهم هذا الطعام وهذه العلوفة ، فقال : ذلك إليكم ولست أمنعكم من الهدية ولا أمنع أصحابي منها ، ولكن إن أخذ أحد من أصحابي منكم شيئا على طريق الغصب فأعلموني بذلك - والسلام - . خبر الراهب والعين . قال : وأقام علي رضي الله عنه بالأنبار يومين ، فلما كان في اليوم الثالث سار بالناس في برية ملساء ، وعطش الناس واحتاجوا إلى الماء ، قال : وإذا براهب في صومعته ، فدنا منه علي رضي الله عنه وصاح به ، فأشرف عليه ، فقال له علي رضي الله عنه : هل تعلم بالقرب منك ماء نشرب منه ؟ فقال : ما أعلم ذلك ، وإن الماء ليحمل إلينا من قريب من فرسخين . قال : فتركه علي رضي الله عنه وأقبل إلى موضع من الأرض فطاف به ، ثم أشار إلى مكان منه فقال : احفروا ههنا ، فحفروا قليلا وإذا هم بصخرة صفراء كأنما طليت بالذهب وإذا هي على سبيل الرحى لا ينتقلها إلا مائة رجل ، فقال علي رضي الله عنه : اقلبوها فالماء من تحتها ، فاجتمع الناس عليها فلم يقدروا على قلبها ، قال : فنزل علي رضي الله عنه عن فرسه ، ثم دنا من الصخرة وحرك شفتيه بشيء لم يسمع ، ثم دنا من الصخرة وقال : باسم الله ، ثم حركها ورفعها فدحاها ناحية ، قال : فإذا بعين من الماء لم تر الناس أعذب منها ولا أصفى ولا أبرد ، فنادى في
--> ( 1 ) سورة الدخان الآيات 25 - 29 .