أحمد بن أعثم الكوفي

552

الفتوح

عرفته كمعرفتي لم تكن تجاوزه حتى تبكي لبكائي ، قال : ثم بكى علي رضي الله عنه بكاء شديدا ، حتى اخضلت لحيته بدموعه وسالت الدموع على صدره ، ثم جعل يقول : أواه ! ما لي ولآل أبي سفيان ! ثم التفت إلى الحسين رضي الله عنه فقال : اصبر أبا عبد الله ! فلقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى من بعدي . قال : ثم جعل علي رضي الله عنه يجول في أرض كربلاء كأنه يطلب شيئا ، ثم نزل ودعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة ، ثم قام فصلى ما شاء أن يصلي والناس قد نزلوا هنالك من قرب نينوى ( 1 ) إلى شاطئ الفرات ، قال : ثم خفق برأسه خفقة فنام وانتبه فزعا فقال : يا بن عباس ! ألا أحدثك بما رأيت الساعة في منامي ؟ فقال : بلى يا أمير المؤمنين ! فقال : رأيت رجالا بيض الوجوه ، في أيديهم أعلام بيض ، وهم متقلدون بسيوف لهم ، فخطوا حول هذه الأرض خطة ، ثم رأيت هذه النخيل وقد ضربت بسعفها الأرض ، ورأيت نهرا يجري بالدم العبيط ، ورأيت ابني الحسين وقد غرق في ذلك الدم وهو يستغيث فلا يغاث ، ثم إني رأيت أولئك الرجال البيض الوجوه الذين نزلوا من السماء وهم ينادون : صبرا آل الرسول صبرا ! فإنكم تقتلون على أيدي أشرار الناس ، وهذه الجنة مشتاقة إليك يا أبا عبد الله ! ثم تقدموا إلي فعزوني وقالوا : أبشر يا أبا الحسن ! فقد أقر الله عينك بابنك الحسين غدا يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ثم إني انتبهت ، فهذا ما رأيت ، فوالذي نفس علي بيده ! لقد حدثني الصادق المصدوق أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أني سأرى هذه الرؤيا بعينها في خروجي إلى قتال أهل البغي علينا ، وهذه أرض كربلاء الذي يدفن فيها ابني الحسين وشيعته وجماعة من ولد فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن هذه البقعة المعروفة في أهل السماوات تذكر بأرض كرب وبلاء ، وليحشرن منها قوم يدخلون الجنة بلا حساب . ثم قال : يا بن عباس ! اطلب لي حولها صيران الظباء ، فطلبها ابن عباس فوجدها ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ! قد أصبتها ، فقال علي رضي الله عنه : الله أكبر ! صدق الله ورسوله . ثم قام علي رضي الله عنه يهرول نحوها حتى وقف عليها ، ثم أخذ قبضة من بعر الظباء فشمها ، فإذا لها لون كلون الزعفران ورائحة كرائحة المسك ، فقال علي

--> ( 1 ) نينوى : ناحية بسواد الكوفة .