أحمد بن أعثم الكوفي
553
الفتوح
رضي الله عنه : نعم هي هذه بعينها ، ثم قال : أتعلم ما هذه يا بن عباس ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ! فقال : إن المسيح عيسى بن مريم قد مر بهذه الأرض ومعه الحواريون ، فشم هذا البعر كما شممته ، وأقبلت إليه الظباء حتى وقفت بين يديه ، فبكى عيسى وبكى معه الحواريون وهم لا يدرون لماذا يبكي عيسى عليه السلام ، فقالوا : يا روح الله ! ما يبكيك ؟ ولماذا اختلست ههنا ؟ فقال لهم : أتعلمون ما هذه الأرض ؟ قالوا : لا يا روح الله ! فقال : هذه أرض يقتل عليها فرخ الرسول أحمد المصطفى وفرخ ابنته الزهراء قرينة الطاهرة البتول مريم بنت عمران ، ثم ضرب بيده عيسى إلى بعر الظباء فشمه وقال : يا معشر الحواريين ! هذا بعر الظباء على هذا الطيب لا [ نه ] كان [ من ] حشيش هذه الأرض ، ثم مضى عيسى ابن مريم صلوات الله عليه وقد بقيت هذه البعرات إلى يومنا هذا من ذلك الدهر ، حتى أنها قد اصفرت لطول الزمان عليها ، فهذه أرض الكرب والبلاء . قال : ثم بكى علي رضي الله عنه وقال : يا رب عيسى ! لا تبارك في قاتل ولدي والعنه لعنا كثيرا ! ثم اشتد بكاء علي وبكى الناس معه حتى سقط على وجهه وغشي عليه ، ثم أفاق فوثب فصلى ثماني ركعات وسلم من كل ركعتين ، فكلما سلم جعل يتناول من ذلك البعر فيشمه ، ويقول : صبرا أبا عبد الله ! صبرا يا ثمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانة حبيب الله ! ثم أخذ كفا من ذلك البعر فصره في ثوبه وقال : لا يزال هذا مصرورا أبدا أو يأتي علي أجلي . ثم قال : يا بن عباس ! إذا رأيتها من بعدي وهي تسيل دما عبيطا ، فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل . قال ابن عباس : فوالله لقد كنت أشد تحافظا لها بعد علي بن أبي طالب وأنا لا أحلها عن طرفي . قال ابن عباس : فلما رجع علي رضي الله عنه من صفين وفرغ من أهل النهروان دخل عليه الأعور الهمداني ، فقال له علي رضي الله عنه : يا حارث ! أعلمت أني منذ البارحة كئيب حزين فزع وجل ؟ فقال الحارث : ولم ذاك يا أمير المؤمنين ؟ أندما منك على قتال أهل الشام وأهل البصرة والنهروان ؟ فقال : لا ، ويحك يا حارث ! وإني بذلك مسرور ، ولكني رأيت في منامي أرض كربلاء ، ورأيت ابني الحسين مذبوحا مطروحا على وجه الأرض ، ورأيت الأشجار منكبة ، والسماء مصدعة ، والرحال متطأمنة ، وسمعت مناديا ينادي بين السماء والأرض وهو يقول : أفزعتمونا يا قتلة الحسين أفزعكم الله وقتلكم ! ثم إني انتبهت وأنا منه على